وإذا كان اللاعب بالنَّرْد كغامس يده في لحم الخنزير١ ودمه؛ فكيف بحال اللاعب بالشطرنج؟! وهل٢ هذا إلا من باب التَّنْبِيه بالأدنى على الأعْلى؟!
وإذا كان مَن لَعِبَ بالنَّرْد عاصيًا لله ورسوله مع خِفَّة مفسدة النَّرْد، فكيف يُسْلَب اسم٣ المعصية لله تعالى ولرسوله عن صاحب الشِّطرنج مع عِظَمِ مفسدتها، وصدِّها عن ما يحب الله تعالى ورسوله، وأخْذِها بفِكْر لاْعِبِهَا، واشتغال قلبه وجوارحه، وضياع عمره، ودعاء قليلها إلى كثيرها، مثل دعاء قليل الخمر إلى كثيرها، ورغبة النفوس بالعِوَض فوق رغبتها فيها بلا عِوَض؟!
فلو لم يكن في اللعب فيها مفسدة أصلًا غير٤ أنها ذريعة قريبة الإيصالِ إلى أكْل المالِ الحرامِ بالقمار؛ لكان تحريمها مُتَعيِّنًا في الشريعة، كيف وفي المفاسد الناشئة من مجرَّد اللعب بها ما يقتضي تحريمها؟!
وكيف يُظَنُّ بالشريعة أنها تُبيح ما يُلْهِي القلب، ويُشْغِلُه أعظم شُغْل
(١) في (ح). (مط) (فنذير).
(٢) سقط من (ظ).
(٣) من (ظ).
(٤) في (ظ) (فلو يكن في اللعب بها مفسدة أصلًا إلا غير).
عن مصالح دينه ودنياه١، ويورث العداوة والبغضاء بين أربابها، وقليلها يدعو إلى كثيرها، ويفعل بالعقْل والفِكْر، كما يفعل المسكر وأعظم، ولهذا يَصِيْر صَاحِبُها عاكِفًا عليها كعكوف شارب الخمر على خمره، أو أشدَّ؛ فإنه لا يستحيي ولا يخاف٢ كما يستحيي شارب الخمر، وكلاهما مُشَبَّهٌ بالعاكف على الأصنام؟!
أما صاحب الشطرنج: فقد صحَّ٣ عن علي أمير المؤمنين ﵁ أنه شبَّهه بالعاكف على التَّماثيل.
وأما صاحبُ الخمر: ففي "مسند الإمام أحمد"٤ عن النبي ﷺ أنه قال: "شارب الخَمْر كعابِدِ وَثَن".
(١) من (ظ).
(٢) في (ظ) (فكان كما يستحي، ويخاف شارب الخمر على خمره)، وفي (ح) (ويخاف).
(٣) تقدم أنه لم يصح راجع (ص/ ٢٤٩).
(٤) (١/ ٢٧٢) (٢٤٥٣) وعبد بن حميد في مسنده (المنتخب) (٤/ ٥٩٧) رقم (٧٠٧) وغيرهما من طريق محمد بن المنكدر قال: حُدِّثت عن ابن عباس رفعه بلفظ (مدمن الخمر إن مات، لقي الله كعابد وثن). وسنده ضعيف لجهالة الواسطة بين ابن المنكدر وبين ابن عباس، وله طرق عن ابن عباس لا تصح. وقد رُويَ عن أبي هريرة وهو خطأ عليه، صوابه عن عبد الله بن عمرو من قوله، رواه عنه أبو صالح والمسيب بن رافع. انظر مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ٩٥) رقم (٢٤٥٣) وعلل الدارقطني (١٠/ ١١٤ - ١١٥).