المسألة الحادية عشرة: المُسَّابقة على حِفْظِ القرآن والحديث والفقه وغيره من العلوم النافعة، والإِصابة في المسائل، هل تجوز بعوضٍ؟
منعه: أصحاب مالك وأحمد والشافعي١.
وجوَّزَه: أصحاب أبي حنيفة٢ وشيخنا٣، وحكاه ابن عبد البر عن الشافعي.
وهو أولى من الشِّبَاك والصِّرَاع والسِّبَاحة، فمن جوَّز المسابقة عليها بِعِوضٍ، فالمسابقة على العِلْم أولى بالجواز، وهي صورة مراهنة الصديق لكفّار قريش على صحة ما أخبرهم به وثبوته، وقد تقدَّم٤ أنه لم يقم دليلٌ شرعيٌّ على نَسْخِهِ، وأنَّ الصدِّيق أخذ رهنهم بعد تحريم القِمَار، وأن الدِّين قيامُه بالحجَّة والجهاد، فإذا جازت المراهنة على آلاتِ الجِهاد؛ فهي في العلم أولى بالجواز.
وهذا القول هو الرَّاجح.
المسألة الثانية عشرة: المسابقة بالسِّهام على بُعْدِ الرَّمي لا على
(١) انظر: المقنع مع الشرح الكبير (١٥/ ٨)، والمغني (١٣/ ٤٠٥)، والخرشي (٤/ ١٥٤)، ومواهب الجليل للحطاب (٤/ ٦١٠ - ٦١١)، والحاوي الكبير للماوردي (١٥/ ١٨٤).
(٢) انظر: مجمع الأنهر (٢/ ٥٥٠)، والفتاوى الهندية (٦/ ٤٤٦)، والإنصاف للمرداوي مع الشرح الكبير (١٥/ ٨ - ١٠).
(٣) في (مط) (وشيخ الإسلام أبو العباس)، وراجع (ص/ ٢٤).
(٤) انظر (ص/ ١٤٦ - ١٥٠).
الإصابة، فأيهما كان أبعد مدًى، كان هو الغالب.
منعها بالعوض: أصحاب أحمد والشَّافعي١.
ويلزم من جوَّزها في المسابقة بالأقدام والسباحة والمصارعة جوازها ههنا، بل٢ هي أولى بالجواز، فإن المقصود بالرمي أمران: الإصابة والبُعْد٣، فالبُعْدُ أَحَدُ مَقْصودَيْه، والسَّبْق به من جنس السَّبق بالخيل والإبل.
وبكل حال، هو أولى من سائر الصُّوَر التي قاسوها على مَوْرِدِ النَّصِّ بالجواز، وظاهر الحديث يقتضيه؛ فإنه أثبت السبق في النصْل كما أثْبته في الخُفِّ والحافِر، هذا يقتضي أن يكون السبق به كالسبق بهما، فأما أن يقال: يقتضي الإصابة دون السبق في الغاية فكلَّا، وهو في اقتضائهما معًا أظهر من الاقتصار على الإصابة فقط. والله أعلم.
فصلٌ في٤ مأخذ هذه الأقوال
وهي نوعان: لفظيٌّ ومعنويٌّ.
فاللفظيُّ: الاقْتِصَارُ على ما أثبته النصُّ بعد النفي العامِّ، وهي
(١) سقط من (مط)، وانظر المغني لابن قدامة (١٣/ ٤١٩)، والحاوي الكبير للماوردي (١٥/ ٢٣٧).