ويلزم من جوَّزها في المسابقة بالأقدام والسباحة والمصارعة جوازها ههنا، بل٢ هي أولى بالجواز، فإن المقصود بالرمي أمران: الإصابة والبُعْد٣، فالبُعْدُ أَحَدُ مَقْصودَيْه، والسَّبْق به من جنس السَّبق بالخيل والإبل.
وبكل حال، هو أولى من سائر الصُّوَر التي قاسوها على مَوْرِدِ النَّصِّ بالجواز، وظاهر الحديث يقتضيه؛ فإنه أثبت السبق في النصْل كما أثْبته في الخُفِّ والحافِر، هذا يقتضي أن يكون السبق به كالسبق بهما، فأما أن يقال: يقتضي الإصابة دون السبق في الغاية فكلَّا، وهو في اقتضائهما معًا أظهر من الاقتصار على الإصابة فقط. والله أعلم.
فصلٌ في٤ مأخذ هذه الأقوال
وهي نوعان: لفظيٌّ ومعنويٌّ.
فاللفظيُّ: الاقْتِصَارُ على ما أثبته النصُّ بعد النفي العامِّ، وهي
(١) سقط من (مط)، وانظر المغني لابن قدامة (١٣/ ٤١٩)، والحاوي الكبير للماوردي (١٥/ ٢٣٧).
(٢) في (ح) (هنا بلى هي)، وفي (مط) (هنا).
(٣) في (ح)، (مط) (البعد والإصابة).
(٤) ليس في (ح).
الثلاثة المذكورة في الحديث فقط، فلا يجوز في غيرها، وهؤلاء جعلوا أكل المال بهذه الثلاث مستثنى من جميع أنواع المغالَبات.
وقالوا١: ليس غيرها في معناها حتى يُلْحَق بها؛ فإن سائر هذه الأنواع المذكورة لا يتضمَّن ما تتضمَّنه هذه الثلاثة من الفروسيَّة، وتعلُّم أسباب الجهاد، واعتيادها، وتمرين البدن٢ عليها، فأين هذه من السباحة، والمشابكة، والسعي، والصراع، والعلاج، واللعب بالحَمَام؟ فلا نصَّ ولا قياسَ.
قالوا: ويوضِّح هذا أن الخيل والإبل هي التي عُهِدَت المسابقة عليها بين الصحابة في عهد رسول لله ﷺ، وهي التي سابق عليها رسول لله ﷺ٣ ولم يسابِق على بَغْلٍ ولا حمارٍ قط، لا هو ولا أحَدٌ من أصحابه، مع وجود الحمير والبغال عندهم.
والخيل هي التي تصلح لِلكرِّ، والفرِّ، ولقاء العدو، وفتح البلاد. وأما أصحاب الحمير: فأهل الذَّلَّة والقِلَّة، ولا منفعة بهم في الجهاد٤ ألبتَّة. فقياسها على الخيل من أفسد القياس، وفَهْمُ٥ حوافرها من حوافر الخيل مِنْ أبْعَدِ الفَهْم.