الفروسية

وحُجة هذا القول: أنه متى كان الباذل أحدهما؛ فإنه لا تطيب نفسه بأن يُغْلَب ويؤخذ ماله، فإذا غُلِب أكل السابق ماله بغير طيب نفسه، وقد قال النبي ﷺ: "لا يحلُّ مال امرئٍ مسلمٍ؛ إلا عن طيبِ نفسٍ منه"١.

وهذا بخلاف ما إذا كان الباذل الإِمام أو أجنبيًّا عنهما؛ فإنه تطيب نفسه ببذل المال لمن يسبق، فلا يكون مالُه مأكولًا بغير طيب نفس.

ولا يلزم من هذا القول المنع إذا كان البذل من كل واحد منهما، وأنه يكون أولى بالمنع؛ فإنه لم يختصَّ أحدهما ببذل ماله لمن يغلبه، بل كلٌّ منهما باذلٌ مبذولٌ له، فهما سواء في البَذْلِ والعَمَل، ويُسْعِد الله بسَبَقه من شاء من خَلْقِه، وكلٌّ منهما خاصٌّ لنفسه، راجٍ لإحراز ماله والفوز بمال صاحبه، فلم يتميَّز أحدهما عن٢ الآخر.

وأما إذا كان الباذل أحدهما؛ فإن سَبَق رجع إليه ماله، ولم يأخذ من الآخر شيئًا، وإن كان مسبوقًا غَرِم ماله، والآخر إن سَبَق غَنِم، وإن سُبِق لم يَغْرَم، والعقود مبناها على العدل من الجانبين، وبهذا يتبيَّن أن العَقد المشتمل على الإِخراج منهما معًا أحلُّ من العقد الذي انفرد أحدهما فيه بالإِخراج.

وأُجيب صاحب هذا القول؛ بأن النبي ﷺ أطلق جواز السبق في هذه الأشياء الثلاثة، ولم يخصَّه بباذلٍ خارجٍ عنهما، فهو يتناول حِلَّ

  1. (١) تقدم (ص/ ١١٧).
  2. (٢) في (مط)، (ح) (على).
266

السَّبَق من كلِّ باذل.

قالوا: وأما قولكم: "إنه لا تطيب نفسه بأكل ماله"؛ فإنه لمّا التزم بذله عن كونه مغلوبًا؛ حلَّ للغالب أكله بحكم التزامه الاختياريِّ الذي لم يجبره أحدٌ عليه، فهو كما لو نَذَرَ إنْ سَلَّم الله تعالى غائبه أن يتصدَّق على فلان بكذا وكذا، فَوُجِدَ الشّرطُ؛ فإنه يلزمه إخراجُ ما الْتَزَمَه، ويَحِلُّ للآخر أكله، وإن كان عن غير طيب نفسه.

قالوا: والذي حرَّمه الشارع من أكل مال المسلم بغير طيب نفس١ منه، هو أن يكون مُكْرَهًا٢ على إخراج ماله، فأما إذا كان بذله والتزامه باختياره؛ لم يدخل في الحديث. .

فصلٌ

* وقالت طائفة أخرى: يجوز أن يَبْذُل السَّبَق أحدُهما، فيقول: إن سبقتني فلك كذا. ويكره أن يقول: إن سبقتك فعليك كذا. فيجوز أن يكون باذلًا، ويُكرَه أن يكون طالبًا متقاضيًا.

وهذا مذهب: إبراهيم النخعي، وعكرمة مولى ابن عباس، وجماعة من أصحاب عبد الله بن مسعود.

قال إبراهيم بن يعقوب السَّعْدِي في كتابه "المترجم": حدثنا أبو صالح: أخبرنا أبو إسحاق عن الأعمش عن إبراهيم؛ قال: "كان عَلْقَمةُ له بِرْذَوْنٌ يراهِنُ عليه"، فقلتُ لإبراهيم: كيف كانوا يصنعون؟

  1. (١) سقط من (مط)، (ح).
  2. (٢) في (ظ) (مكروها).
267

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي