قالوا: وأما قولكم: "إنه لا تطيب نفسه بأكل ماله"؛ فإنه لمّا التزم بذله عن كونه مغلوبًا؛ حلَّ للغالب أكله بحكم التزامه الاختياريِّ الذي لم يجبره أحدٌ عليه، فهو كما لو نَذَرَ إنْ سَلَّم الله تعالى غائبه أن يتصدَّق على فلان بكذا وكذا، فَوُجِدَ الشّرطُ؛ فإنه يلزمه إخراجُ ما الْتَزَمَه، ويَحِلُّ للآخر أكله، وإن كان عن غير طيب نفسه.
قالوا: والذي حرَّمه الشارع من أكل مال المسلم بغير طيب نفس١ منه، هو أن يكون مُكْرَهًا٢ على إخراج ماله، فأما إذا كان بذله والتزامه باختياره؛ لم يدخل في الحديث. .
فصلٌ
* وقالت طائفة أخرى: يجوز أن يَبْذُل السَّبَق أحدُهما، فيقول: إن سبقتني فلك كذا. ويكره أن يقول: إن سبقتك فعليك كذا. فيجوز أن يكون باذلًا، ويُكرَه أن يكون طالبًا متقاضيًا.
وهذا مذهب: إبراهيم النخعي، وعكرمة مولى ابن عباس، وجماعة من أصحاب عبد الله بن مسعود.
قال إبراهيم بن يعقوب السَّعْدِي في كتابه "المترجم": حدثنا أبو صالح: أخبرنا أبو إسحاق عن الأعمش عن إبراهيم؛ قال: "كان عَلْقَمةُ له بِرْذَوْنٌ يراهِنُ عليه"، فقلتُ لإبراهيم: كيف كانوا يصنعون؟
(١) سقط من (مط)، (ح).
(٢) في (ظ) (مكروها).
قال: "كان الرجل يقول: لو سبقتني فلك كذا وكذا، ولا يقول: إنْ سَبَقْتُكَ فلي كذا وكذا، وإنْ سبقْتَني فلك كذا وكذا"١.
وقال ابن أبي الدنيا في كتاب "السَّبَق" له: أخبرنا حمزة بن عَبَّاس، أخبرنا علي بن سفيان، أنا عبد الله بن المبارك ثنا سفيان٢ عن الأعمش عن إبراهيم قال: "لم يكونوا يرون بأسًا أن يقول: إن سبقتني فلك كذا وكذا، ويكرهون أن يقول: إن سبقتك فعليك كذا وكذا"٣.
فصلٌ
* وقالت طائفة أخرى: بَذْل السَّبق من مكارم الأخلاق، فلا يقضي عليه به القاضي إذا غلب، ولا يجبره عليه؛ كما يقضي عليه بما يلزمه من الحقوق والأموال، وإنما هو بمنزلة العِدَة: إن شاء٤ وفَّى بها، وإلَّا لم يُجْبَر على الوفاء.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٥٣١) رقم (٣٣٥٣٨) وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٣٤٢) رقم (٢٩٦٠، ٢٩٦١). من طريق: أبي الأحوص وأبي معاوية عن الأعمش به مختصرًا، قال أبو الأحوص (يسابق) بدل (يراهن). والأثر صحيح ثابت. تنبيه: من قوله (ولا يقول:) إلى (وكذا)، من (ظ).
(٢) سقط من (مط) (ثنا سفيان)، وسقط من (ح) صيغ التحديث بين ابن المبارك وسفيان.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٥٣٦) رقم (٣٣٥٨٤). ثنا عبد السلام بن حرب عن الأعمش به نحوه وسنده صحيح.
(٤) (شاء) زيادة يقتضيها السياق، ووقع في (ح) (وافا بها) بدلًا من (وفَّى بها).