* وقالت طائفة منهم: بل يكون سَبَق الثالث للثاني١ وحده.
وهذا أفسد من الأول، وكأن قائل هذا القول رأى أن الثاني لما كان سابقًا؛ اعتَبر الوصفين في حقه، فأخرج منه السَّبَق إلى الأول؛ لكونه مسبوقًا، وأعطاه سَبَق الثالث لكونه سابقًا.
لكن هذا غلط، فإن الأول قد سبقهما سَبْقًا مطلقًا، وهو لو سبق٢ الثالث فقط لا يستحقُّ سَبَقَه، فكيف إذا سبق سابقٌ الثالث مع سَبْقه لهم؟!
وقولهم: "إنه سابق مسبوق، فيراعى في حَقِّه الوصْفان".
جوابه أن يقال: بل هو مسبوق؛ وكونه سابقًا ملغى بسَبْق الأول؛ لأنه إنما ينفعه كونه سابقًا إذا لم يسبقه غيره.
فصلٌ
وإن سبق أحدهما، وجاء المحلَّل والآخر معًا، لم يكن للمحلِّل شيء، ويحرزُ السابق سَبْقَ نفسه وسَبْق الآخر على قول الطائفة الأولى.
وعلى قول هؤلاء يكون سبق الآخر له٣ لا يأخذه المحلِّل؛ لأنه لم يسبقه، ولا الأول؛ لأن دخول المحلِّل إنما كان لِيُحَلَّ السبق لنفسه٤.
(١) في (ظ) (.. يكون سبق الثاني وحده) وهو خطأ.
(٢) في (ظ) (وسبق) بدلًا من (وهو لو سبق).
(٣) في (ح) (سبق الآخر له إلا بأخذه)، وليس في (مط) (له).
(٤) في (ح، مط) (بنفسه).
وعلى هذا، فإذا سبق أحدهما، وجاء المحلِّل بعده، وتأخر الثالث، فعلى قول الأولين يُحرز الأوَّل السَّبَقين لسَبْقه، وعلى قول هؤلاء يكون سبَق الثالث للمحلِّل؛ لأنه دخل لِيُحِلَّ السَّبَق لنفسه، وقد سبق الثالث.
فصلٌ
* وقالت طائفة أخرى: إذا أخرَجا معًا؛ لم يجز إلا بمحلِّل؛ إلا أن المحلِّل إن سبقهما، لم يأخذ منهما، وإن سبقاه، أعطاهما.
وهذا قولٌ في مذهب أبي حنيفة، حكاه ابن بلدجي في "شرح مختار الفتوى"، فقال في مسألة المحلِّل١: "وقيل في المحلِّل: إن سبقاه أعطاهما، وإن سبقهما لم يأخذ منهما". قال: "وهو جائز أيضًا".
هذا لفظ الشارح، وذكره ابن الساعاتي في شرح "مجمع البحرين" له٢.
وهذه الطريقة بعيدة جدًّا، ومخالفة للأصول من وجوه:
أحدها: أنه يَغْرَم إن كان مسبوقًا، ولا يَغْنَم إن كان سابقًا.
الثاني: أنه يغرم، ما لم تلزم غرامته، ولو أخرج، لم يكن محلِّلًا واحتاج العقد إلى محلِّل آخر.
(١) سقط من (ظ)، وانظر الاختيار لتعليل المختار (٤/ ١٦٩).