الثالث: أن مبنى هذا العقد إذا أخرجا معًا على العدل، والعدل: أَنَّ كل١ واحد من المتسابقين لا يتميز عن الآخر، بل إن سَبَق أخذ، وإن سُبِق غَرِم، فإذا كان المحلِّل لا يغنم إن سبق، ويغرم إن سُبِق؛ لم يكن هذا عدلًا.
وكأن قائل هذا القول٢ يلحظ أن المقصود دخول محلِّل يُحِلُّ السبق لغيره لا لنفسه، كما قال الجمهور، ولا يأخذ شيئًا منهما؛ لأنه لو أخذ إن سَبَق، لم يكن محلِّلًا، بل يكون كأحدهما، فكما يجوز أن يأخذ إذا سَبَق، يجوز أن يغرم إذا سُبِق، وحينئذ فيقال: فيجوز أن يُخرِج معهما، ويَخْرُج عن كونه محلِّلًا، وإلا فكيف يَغْرَم إن سُبِق، ولا يَغْنَم إن سَبَق؟!
ولقائله أن يقول: كما أنكم قلتم: إن سَبَق أخذ، سُبِقَ لم يغرم، ولم يكن هذا ظُلمًا، وجعلتم هذا خاصة للمحلِّل؛ ليتميَّز عن المخرِجين، فهو إما أن يغنم، وإما أن يسلم مع كونه مغلوبًا، وهو بخلاف أحد المخرِجين، فإنه وإن كان مغلوبًا غَرِم، فبم تنكرون على من يقول به٣؟! بل خاصيته أن يغرم إن جاء مسبوقًا، ولا يغنم إن جاء سابقًا؛ لأنه لو غنم، لخرج عن أن يكون محَلِّلًا، فإذا كانت خاصية المحلِّل أن لا يكون دائرًا بين الغُنْم والغُرْم أصلًا، فأيُّ فَرْقٍ بين أن
(١) في (ظ) (إن كان واحد من المتسابقين)، وفي (مط) (والعدل إن كان واحد من المتسابقين).
(٢) ليس في (مط).
(٣) من (مط).
يكون دائرًا بين أن يغنم ويسْلَم، أو يغرم ويسْلَم؟! فكما صنتموه عن الغرامة إذا كان مسبوقًا، ليتميَّز عنهما؛ منعناه نحن من المغنم إذا كان سابقًا، لهذا المعنى بعينه.
فهذا القول عكس قولكم في المعنى، ومثله في المأخذ، وكل ما تلزمونا به إذا كان سابقًا ولم يغنم، نلزمكم به إذا كان مسبوقًا ولم يغرم.
قالوا: والحديث ليس فيه ما يقتضي هذا القول، ولا قولكم، ولا ما١ يبطِلُ واحدًا من القولين، فلا يمكن أن تبطلوا قولنا به، ولكن يبقى٢ الترجيح في أي القولين أقرب إلى خروج العقد به من القمار - إن كان بالمحلِّل يخرج عن القمار -؟
وأما حكم المحلِّل، فلا تعلُّق له بالحديث، غير أنه يكون مكافئًا لهما٣ في الرمي والركوب، ولا يأمن إن سَبَقَاه فَحَسْب.
فصلٌ
قال المنكرون للمحلِّل الدخيل: تأمَّل هذه الأقوال، والطرق، واختلافها في المحلِّل، ومصادمة بعضها لبعض، ومناقضة بعضها لبعض، وفساد الفروع واللوازم يدلُّ على فساد الأصل والملزوم، وكل ما كان من عند غير الله فلا بد أن يقع فيه اختلاف كثير،