وأما من ألحق الزيادة في الثمن والنقصان منه بعد العقد، كأصحاب أبي حنيفة - وهو القول الراجح في الدليل - فعلى أصولهم يجوز إلحاق الزيادة والنقصان في هذا العقد - وهذا هو الصواب - إذا اتَّفقا عليه.
وقد أمر النبي ﷺ الصدِّيق أن يزيد في الأجَل والرَّهن، لمَّا راهن المشركين١ على غَلَبةِ الروم والفرس، ولا محذور في إلحاق٢ هذه الزيادة أصلًا، بل النصُّ والقياس يقتضيان٣ جوازها، وقد قال أصحابنا: تجوز الزيادة في الصَّداق بعد لزومه، مع أن عقد النكاح عقد لازم، وتكون الزيادة كالأصل فيما يقرِّره وينفعه٤.
واتَّفقوا على جواز الزيادة في الرهن، واختلفوا في جواز الزيادة في دَيْنه.
فمنعها أبو حنيفة وأحمد، وأجازها مالك والشافعي في قوله القديم، ومنعها في الجديد، ولم أجد عن أحمد نصًّا بالمنع، وإنما أخذه أصحابه من نصِّه في الزيادة في الثمن.
وقول مالك في هذه المسألة أرجح٥، إذ لا محذور في ذلك،
(١) تقدم (ص/ ١٤٦ - ١٤٨).
(٢) سقط من (ظ).
(٣) في (ح)، (مط) (يقتضي).
(٤) في (مط) (ينفيه)، وفي (ح) (وينصفه).
(٥) سقط من (ظ).
وهي زيادة تتعلَّق بالرَّهن، فجازت كزيادة التعلُّق١ بذمَّة الضامن، ولا أثر للفرق بينهما بسِعَة هذا وضيق الرهن؛ لأن لهما أن يوسِّعاه أضعاف ما هو متعلق به، بأن يغير الرهن، ولولا سَعَته، لما أمكن ذلك.
وقد قال أصحابنا: لو جَنَى العبد المرهون، ففداه المرتهن، ليكون رهْنًا بالفداء وبالحق الأول جاز، وهذا زيادةٌ في دَيْن الرهن.
ولكن فرَّقوا بين هذه الزيادة، وبين غيرها، بأن الجناية تملك المجنيُّ عليه المطالبة ببيعه٢ في الجناية، وإبطال الوثيقة من الرهن، فصار بمنزلة الرهن الجائز قبل قبضه، فإنه يكون٣ غير لازم، والرهن قبل لزومه تجوز الزيادة في دينه، فكذلك بعد الجناية؛ لأنه قد تعرَّض لزوال لزومه.
قالوا: وليس كذلك إذا لم يجز الرهن؛ لأنه لازم لا سبيل إلى إبطال حق المرتهن عنه، فلم يصحَّ أن يرهنه بحق آخر، كما لو رهنه عند إنسان آخر.
قالوا: ولأنه قد تعلَّق بجملته كلُّ جزءٍ من أجزاء الحق، فلم يبق فيه موضعٌ لتعلُّق حقًّ آخر به٤ بخلاف الضمان، فإن محلَّه ذمة الضامن، وهي متسعةٌ لكلِّ دَيْنٍ يرد عليها.