أصبر، والقارح أصبر من غيره، ولهذا فضَّل النبي ﷺ القُرَّح في الغاية١.
فإن استبقا بغير غاية لينظر أيهما يقف أولًا، لم يجز؛ لأنه يؤدِّي إلى أنه لا يقف أحدهما حتى ينقطع فرسه، فيتعذر الحُكْم للآخر بالسبق، كما لو مات فرس الآخر أو انكسر.
وكذلك أيضًا٢ يشترط معرفة مدى الرمي: إما بالمشاهدة والرؤية، وإما بالذرعان؛ لأن الإصابة تختلف بالقُرْب والبُعْد.
ويجوز أن يجعلا غايةً مّا يتفقان عليها، إلا أن يجعلا مسافة بعيدة تتعذر الإصابة في مثلها غالبًا - وهو ما زاد على ثلاث مئة ذراع - فلا يصح لأنّ٣ الغرض يفوت بذلك، وقد قيل: إنه ما رمى في أربع مئة ذراع إلا عُقْبَة بن عامر الجُهَنِي ﵁.
هذا كلام أصحاب أحمد٤.
وقال العراقيون من أصحاب الشافعي٥: إذا كانت المسافة مئتين وخمسين ذراعًا؛ جاز، وإن زادت على ثلاث مئة وخمسين؛ لم يجز، وفيما٦ بينهما وجهان.
(١) كما تقدم (ص/ ١٤ - ١٥).
(٢) من (ظ) (أيضًا).
(٣) قوله (فلا يصح لأن) سقط من (مط).
(٤) انظر المغني (١٣/ ٤١٨).
(٥) انظر الحاوي الكبير للماوردي (١٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
(٦) في (ظ) (وفيهما).
وهذا التقدير ليس معهم به نصٌّ من الإمام، ولا دليل من جهة١ الشريعة.
وقال الخراسانيون منهم: إن كانت المسافة تقرُب الإِصابة فيها؛ صح تعيينها، وإن تعذّرت الإصابة فيها لم يصح، وإنْ كانت بحيث يقطعها السهم وتندُر الإصابة٢ فوجهان.
قلت: وهذا أقرب إلى الصواب، فإنهم إذا جَوَّزوا تقديرها بثلاث مئة وخمسين ذراعًا، أو بثلاث مئة، ولم يجوِّزوا الرمي على البُعْد، بل على الإصابة = لم تحصل الإصابة في هذه المسافة إلا اتفاقًا، وكلما بعدت المسافة عَزَّت الإصابة، ولهذا رمْيُ الغرض لا يكون إلا مع مسافة يمكن فيها الإصابة غالبًا، وهذه ثلاثة: قصيرة، وطويلة، ومتوسطة، ولهذا يبتدئ المتعلم بالقريب، ثم بالمتوسط، ثم بالبعيد، فالذي يصيب ما جرت به العادة في الثلاثة٣ هو الرامي حقيقة.
الرابع: أن يكون العِوَض معلومًا، ويجوز أن يكون معينًا وموصوفًا، وأن يكون حالًّا ومؤجلًا، وأن يكون من جنس ومن أجناس، وأن يكون بعضه حالًّا وبعضه مؤجلًا.
الخامس: أن يكون مقدورًا على تسليمه، فلو جعله عبدًا آبقًا، أو فرسًا شاردًا، أو جوهرة في البَحْر، أو طيرًا في الهواء يحصله له = لم
(١) من (ظ)، (ح).
(٢) من قوله (فيها) إلى (الإصابة) من (ظ).
(٣) وقع في (مط، ح) زيادة "بنبال الثلاثة"، وكأنَّها مقحمة من النساخ.