ولا يخفى ضعف مسلك إمام الحرمين الذي حمل عليه كلام الشافعي؛ فإنه ليس في البادئ بالرمي قياسٌ يخالف العادة الجارية بينهم، ولهذا لو شرطوا أن يبدأ واحدٌ منهم، لم يكن ذلك مخالفًا للقياس، فإذا كان لهم عادة ببداءة واحد منهم لم يكن ذلك١ مخالفًا للقياس، والله أعلم.
فصلٌ في الموقف واختلافه
إذا اصطفَّت٢ الرماة في مقابلة الغرض للرمي فرمى٣ كل واحد من موضعه؛ صحَّ باتفاق الفقهاء والرماة، ولا يشترط أن يتناوبوا على الوقوف في موازاة الغرض، فإن رضوا بذلك؛ جاز، وإن تنافسوا في ذلك وكلٌّ منهم آثر الوقوف بإزاء الغرض، كتنافسهم في البادىء بالرمي = ففيه وجهان٤:
أحدهما: يقدَّم بالقرعة.
والثاني: يقدَّم من يختاره مخرِج السبق أو مَن له مزيَّة بإخراجه، كما تقدم.
(١) ليس في (ظ).
(٢) في (ظ) (ح) (اصْطفَ).
(٣) في (ظ) (.. الغرض ورمى كل ..)، وفي (ح) (في مقابلة للرمي والغرض كل واحد ..).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١٥/ ٢٠٩).
وإن كان الموضع الذي عيَّنه بعضهم خيرًا من غيره، مثل أن يكون أحد الموْقِفين مستقبلًا للشمس، أو للريح١ ونحو ذلك، والموقف الآخر مستدبرهما قُدِّم قول من عيَّن٢ هذا الموقف؛ لأنه أقرب إلى تحصيل مقصود الرمي، وهو الموضع الذي ينصرف إليه العقد عند الإِطلاق.
فإن كان شرطهما خلافه؛ فالشرط عند أصحابنا أولى، قالوا: كما لو اتَّفقا على الرمي ليلًا. ويُحتمل أن يكون الموقف الموافق أولى، ويُجاب من طلبه؛ لأنه أقرب إلى مصلحتهما ومصلحة العقد.
فإن استوى الموقفان، وقف الأول حيث شاء منه، وتبعه الثاني. فإذا كان في الوجه الثاني؛ وقف الثاني حيث شاء وتبعه الأول، وليس لأحدهم أن يتقدَّم عن صاحبه إلى جهة الغرض، بل يقفوا صفًّا.
فإن رضوا بتقديم أحدهم: فإن كان يسيرًا، جاز، وإن أفرط، لم يجز، لِمَا فيه من مزيَّة التخصيص المنافي للعدل، فصار كما لو شرط لأحدهم السَّبَق بتسع إصابات وللآخر بعشر؛ فإنه لا يجوز اتفاقًا.
فلو اتَّفقوا كلهم على أن يتقدموا أو يتأخروا عن موقفهم، جاز. وقال أصحاب الشافعي: يكون الخلاف في إلحاق الزيادة والنقصان.
(١) في (ح)، (ظ) (الموقوفين مستقبلًا لشمسٍ أو ريحٍ ..).