وقد تقدَّم الخلاف١ في المسابقة: هل هي عقدٌ لازم أو جائز، وأن المشهور من المذهب أنها عقدٌ جائز، فلكل واحد منهما فسخه قبل الشروع فيه، ولهما الزيادة والنقصان، وأنه إن ظهر فضل أحدهما، فله وحده الفسخ، وتنفسخ بموت أحدهما، ولا يُؤخذ بها رهنٌ، ولا ضَمِيْنٌ، ولا يَثْبُتُ فيها خيارُ مجلس.
والوجه الثاني: أنها عقدٌ لازم، كالإجارة، فتنعكس هذه الأحكام.
فإن أراد أحدهما تأخير الرمي؛ فإن كان لعارضٍ يعمُّهما أو يختصُّ بأحدهما؛ كَوَجع، أو الْتِواء عِرْق، ونحو ذلك، أو ريح، أو ظُلْمَة، أو سيلٍ؛ جاز تأخير الرمي، ولا ينفسخ العقد بذلك، ولصاحب العذر الفسخ به.
وإن أراد أحدهما تأخيره بلا عذر، فإن قيل: إن العقد جائز فله ذلك، وإن قيل: بلزومه فلا.
ولو تشاغل عن الرمي في الغاية٢ وطوَّل بما لا حاجة إليه من مسح القوس والوتر ونحو ذلك؛ ليُبَرِّد هِمَّةَ صاحبه، أو يُنْسيه الوجه
(١) (ص/ ٢٩٢) فما بعده.
(٢) (ح، مط) (لتأنِّيه) بدل (في الغاية)، وانظر المغني (١٣/ ٤٢٤)، والحاوي الكبير (١٥/ ٢٣٢).
الذي أصاب به، ويَشْغَله عنه = مُنِع من ذلك، وطولِب بتعجيل الرمي، ولا يُدْهَش بالاستعجال بحيث يمتنع من تحرِّي الإصابة، ويمتنع كلُّ واحد من المناضلين من الكلام الذي يغيظ به صاحبه؛ مثل أن يفتخر ويتبجَّح بالإصابة، ويعنِّف صاحبه على الخطإ، أو يُظْهِر له أنه يعلّمه١، ويَمْنَعُ من ذلك مَنْ حضرهم من الأمين والشهود والنظَّارة.
فصلٌ في الجَلَب والجَنَب
روى أبو داود في "سننه" من حديث عِمْران بن حُصَيْن عن النبي ﷺ أنه قال: "لا جَلَبَ ولا جَنَبَ يوم الرهان"٢.
وفي "المسند"٣ من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال:
(١) في (ح) (مط) (الغلبة) بدلًا من (أنَّه يعلِّمه).
(٢) تقدم (ص/ ٩٥ - ٩٦). ولفظة (الرهان) لا تثبت.
(٣) (٢/ ٩١). وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ١٨٤) رقم (١٠٤٣٣) مختصرًا بذكر الشغار فقط. وسنده ضعيف، فيه عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف. ولفظة (لا جلب ولا جنب) منكرة، لم يروها غيره. فقد خالفه أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر العمري والإمام مالك وغيرهم كلهم قالوا: عن نافع به. بلفظ (أن النبي ﷺ نهى عن الشغار) فقط. هذا لفظ مالك وعبيد الله. انظر المسند (٢/ ٧ و١٩ و٣٥).