فاجعلا سبقهما نصفين، فإن قرنتُم ثنتين، فاجعلوا الغاية من غاية أصغر الثنتين، ولا جَلَب١ ولا جَنَب ولا شِغار في الإسلام"،
وقد تقدَّم الكلام٢ في معنى الجلب والجَنَب، واختلاف شرَّاح الحديث فيه، ونحن نذكر كلام الفقهاء فيه:
فقال الخرقي في "مختصره"٣: "ولا يجوز إذا أرسل الفرسان أن يجنب أحدهما إلى فرسِهِ فَرَسًا يحرِّضه على العدو ولا يصيح به٤ في وقت سباقه وذكر الحديث".
وأكثر الفقهاء على هذا الذي قاله.
وقال القاضي: "معناه: أن يجنب فرسًا يتحوَّل عليه عند الغاية عليه٥؛ لكونه أقل كلالًا وإعياء. قال ابن المنذر: كذا قيل".
قال الشيخ٦: "ولا أحسِب هذا يصح؛ لأن الفرس التي يسابق عليها لا بدَّ من تعيينها٧، فإن كانت التي يتحوَّل عنها؛ فما حصل السبق بها، وإن كانت التي يتحوَّل إليها؛ فما حصلت المسابقة
(١) من قوله (فإن) إلى (جلب) من (مط)
(٢) انظر (ص/ ١٢٥ - ١٢٦).
(٣) انظره مع شرحه المغني (١٣/ ٤٣٣).
(٤) في (مط) (ويصيح به) بدل (ولا يصيح به)
(٥) في (ظ) (الغاية) بدل (الغاية عليه)، وفي (ح، مط) (عند إعيائه)، والمثبت من المغني لابن قدامة (١٣/ ٤٣٣)، وليس في (ح، مط) قوله: (قيل)
(٦) يعني: ابن قدامه في المغني (١٣/ ٤٣٣).
(٧) في (ظ، مط) (تعَيُّنِها)، والمثبت من (ح) والمغني.
بها في جميع الحلبة، ومن شَرْط السباق ذلك، ولأن هذا متى احتاج إلى التحوُّل والاشتغال به؛ فربما سُبِقَ باشتغاله لا بسرعة غيره، ولأن المقصود معرفة عَدْو الفرس في الحلبة كلها، فمتى كان إنما تركه١ في آخر الحلبة؛ فما حصل المقصود.
وأما الجَلَب: فهو أن يُتْبع الرجل فرسه من٢ يركض خلفه، ويجلب عليه، ويصيح وراءه؛ يستحثُّه بذلك على العَدْو، وهكذا فسَّره مالك".
وهذا هو الصواب.
وفسَّره بعض الفقهاء بأنه: هو أن يصيح بفرسه وقت السباق، ويجلب عليه٣.
وفيه نظر؛ لأنه لا يُمْنَع من ضربه ولا٤ نخسه بالمِهْمَاز٥ وغيره مما يحرِّضه على العَدْو، وهكذا لا يُمْنع من صِيَاحه عليه، وليس هذا ظلمًا؛ لأن الآخر يفعل بفرسه هكذا.
والله أعلم بمراد٦ رسول الله ﷺ من الحديث، وهو محتمل
(١) في المغني (يركبه) بدلًا من (تركه).
(٢) ليس في (ظ)، والمغني.
(٣) قوله (ويجلب عليه) ليس في (ظ).
(٤) من (ظ).
(٥) المهماز: حديدة في مؤخرة حذاء الفارس أو الرائض. المعجم الوسيط (ص/ ١٠٣٥).