وقال أبو بكر من أصحابنا: يكره الرمي بها١، واحتجَّ بأن النبي ﷺ رأى مع رجلٍ قوسًا فارسيّة، فقال: "ألقها فإنها ملعونة، ولكن عليكم بالقسي العربية، وبرماح القنا، فبها٢ يؤيِّد الله الدين، ويمكِّن الله لكم في الأرض".
والصواب المقطوع به أنه لا يُكْرَه الرمي بها، ولا النضال عليها، وقد انعقد إجماع الأمة على إباحة الرمي بها وحملها، وهي التي يقع بها الجهاد في هذه الأعصار، وبها يُكْسَر العدو، وبها يُعَزُّ الإسلام، ويُرْعب المشركون.
والمقصود: نصرة الدين، وكسر أعدائه، لا عين القوس وجنسها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾[الأنفال: ٦٠]، والرمي بهذه القسي من القوَّة المعدَّة، وقد قال النبي ﷺ: "ارموا، واركبوا، وأن ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبوا"٣. ولم يخصَّ نوعًا من نوع، وليس هذا الخطاب مختصًّا بالصَّحابة، بل هو لهم وللأمة إلى يوم القيامة، فهو أمر لكل طائفة بما اعتادوه من الرمي والقسي.
والأحاديث التي تقدَّمت في فضل الرمي وتبليغ العدو بالسهام٤
(١) قوله (الرمي بها) من (ظ).
(٢) في (ظ) (فيهما)، والحديث تقدم تخريجه وهو لا يثبت.
(٣) تقدم تخريجه (ص/ ٦٣).
(٤) في (مط)، (ح) (السهام)، انظر (ص/ ٦٢ - ٧٧).
عامَّة في كل نوع، فلا يُدَّعى فيها التخصيص بغير موجب.
وأما النهي عنها: فإن صحَّ نقله١؛ فذاك في وقت مخصوص، وهو حين كانت العرب هم عسكر الإِسلام، وقسيهم العربية، وكلامهم بالعربية، وأدواتهم عربية٢، وفروسيتهم عربية، وكان الرمي بغير قسِّيهم والكلام بغير لسانهم حينئذ تشبُّهًا بالكفار من العَجَم وغيرهم.
فأما في هذه الأزمان؛ فقسي عساكر٣ الإسلام الفارسية أو التركية، وكلامهم وأدواتهم وفروسيتهم بغير٤ العربية، فلو كُرِه لهم ذلك٥ ومُنِعوا منه؛ فسدت الدنيا والدين، وتعطَّل سوق الجهاد، واستولى الكفار على المسلمين، وهذا من أبطل الباطل.
فإن صحَّ الخبر٦، فالنبيُّ ﷺ لعنها وأمر بإلقائها حين لم يكن العَجَم والتُّرْك قد أسلموا، فهي كانت شعارًا للكفار والمشركين، أو منع الرجل من حملها لعدم معرفته بها، وتكلفه الرمي بها، والخروج عن عادته وعادة٧ أهل الإسلام حينئذ، ولهذا قال: "وعليكُم
(١) في (مط) (وأما النهي عنها فصحّ) وهو خطأ، وفي (ح) (عنها إن صحّ فذاك).