والثاني: قوس الجرخ، وهي قوسٌ لها جوزةٌ ومفتاحٌ، وأهل المغرب يعتنون بها كثيرًا، ويفضِّلونها.
وأصحاب قوس اليد يذمونها، فيقولون: لا ينبغي لعاقل أن يرمي بها، ولا أن٢ يعتمد عليها، ويذكرون ما فيها من الغرر والعيوب والتكلُّف والإبطال وشدَّة المؤنة بالحمل٣، وأنها تخون وقت الكفاح، ولا يتمكَّن المحارب بها من أكثر من سهم واحد، ثم يخالطه عدوُّه.
قالوا: فصاحبها ضعيف النكاية، لا يملك إلا سهمًا واحدًا، ثم هو أسير مملوك، وصاحبها لا يمكنه حمل الترس مع القوس، ولا الدرقة، وإنما يرمي من خلف جدار السور، وخلف حجر يكون مستورًا به، فإنْ رمى في براح من الأرض؛ فلا بُدَّ له من رجُلَيْن مُتَرَّسين يمسكان عليه حتى يرمي، وأين مَن يرمي مِن شقٍّ في جدار السور إلى من يبرز في البراح والفضاء يرمي نظره، وذلك لا يرمي إلا قطعة يسيرة أمامه؟!
(١) في (مط)، (ح) (وأما قوس الرجل فنوعان).
(٢) من (مط).
(٣) في (ظ) (الحمل).
وأربابها يفضلونها ويذكرون فوائدها، ونكايتها في الحصون والمعاقل، وتأثيرها؛ ما لا يؤثره قوس اليد.
وفصل النزاع بين الطائفتين: أن قوس اليد أنفع في وقت مصافَّة الجيوش، وملاقاة العدو في الصحراء، وأما قوس الرجل، فأنفع وقت حصار القلاع والحصون، وأنكى من قوس اليد، وقد يكون الرمي بها من داخل الحصون أيضًا إلى العدو الخارج أنفع، وأنكى فيهم١، فلهذه موضع ولهذه موضع.
وقوس اليد أعمُّ نفعًا، وعلى الرمي بها أكثر الأمم، وأهلها هم الرماة على الحقيقة.
فصلٌ في أنفع٢ القِسِيّ وأولاها بالاستعمال
أولاها وأنفعها ما كثرت٣ نكايته، وقلَّت آفته، وخفَّ حمله٤، وقَوِيَ فعله، فتلك القوس المحمودة لصاحبها، الدافعة الأذى عن حاملها.
وهذا عامٌّ في جميع السلاح، فأنفعه وأفضله٥ ما خفَّ
(١) في (ظ) (وأيضًا إلى العدو الجامع أنفع له وأنكى فيه).