الطحَّان، وبين السهمين من سهامك برهةٌ من الزمان، لا تبرز لعدوَّك في الفضاء، ولا تلقاه بالعراء.
- ومنها: أنَّ الماءَ إذا أصابك بمطرٍ أو غيره، وابتلَّ به وَتَرُك؛ لم يُمَكَّن صاحبُك من الرَّمي بك ألْبتَّة، بل تصير كالقطعة من الخشبة اليابسة.
- وأيضًا، فقوس الرِّجْل قوَّته في أوَّل أمره، ثم يضعف عن الأوَّل الثاني، والثالثُ عن الثاني، والرابعُ عن الثالث، وهلمَّ جَرًّا، حتى تَفْنَى١ قوَّتُه وصلابتُه، ويتحلل ثبوته إلى أن٢ يصير الوتر عمالًا على المَجْرَى، فإن رُمي به، لم يوصل إلى شيء، وربما قتل الرامي به، وإنْ حلّه وفتل الوتر كما يفعل بعضهم؛ اعتراه في الثاني ما اعتراه في الأوَّل، فلا تزال القوس في ضعف وخَوَر، فإن فتل الوتر ثانية، ضَعَفت٣ جدًّا، وربما بطلت قوتها، وربما انكسرت، فتدعوه الضَّرورة إلى قوس غيرها، أو يجلس خاسرًا، فكم بين من يرمي نهاره كلَّه بقوس اليد لا يتغيَّر لها سهم، ولا تَنْحلُّ لها قوَّة، ويكون آخر سهم كأوَّل سهم، وبين مَنْ يرمي بقوسٍ إنما سلطانها في أوّل سهم، ثم هي أمير في الثاني، ثم تَفْتَتُّ٤ في الثالث، ثم تتردَّى في الرابع، ثم هي في الخامس بمنزلة الرجل الضعيف؟!
(١) في (مط) (تنحل)، وفي (ح) (تهر).
(٢) في (مط) (قوته يصير الوتر)، وفي (ح) (ثبوته يصير الوتر).
(٣) في (ظ) (ضعف).
(٤) في (ح) (ثم بقيت).
- ويكفي من عيوبك أن الوتر منك ربما كان على وجه المجرى، فرجع السهم إلى وجه الرامي، فيقتله، وربما كان فُوقُ١ السهم فيه ضيِّق عن الوتر، فينبذ به القوس إلى ناحية أخرى غير المرمى، فيقتل مَن كان قريبًا منه، وربما كانت الجَوْزَة عالية جدًّا، فينبذ الوترُ السهم إلى ناحية أخرى، أو إلى وجه الرامي فيقتله، ولقد شوهد بعض رماة هذا القوس وقد مال قوسُه، وألقى فيها سهمه، وهو يريد أن يضرب سَبُعًا ضَارِيًا كان يؤذي الناس، فلما فوَّق نحو السبع رجع السهم إلى وجهه، فضربه ضربة في عينه، فاحتبس فيها، وكان إخراجه من عينه بعد الجهد الشديد٢، والمشقة العظيمة، وقد سالت على وجنته، فآلى الرجل على نفسه أن لا يرمي بهذه القوس أبَدًا.
وأما ما يسمع لك من القَعْقَعَة والجَعْجَعَة، فهي التي غرَّت جهَّال الناس بمنافع قوس الرِّجل ومصالحها؛ فإنهم إذا سمعوا صوتَ تلك القعاقع، وشاهدوا هول تلك الجعاجع؛ ظنَّوها لقوَّتك وشدة بأسك، أو لقوَّة الرامي بك، ولسان الحال يقول: أسْمَعُ جَعْجَعَةً ولا أرى طِحنًا، وأشاهد قَعْقَعْةً ولا أرى فِعْلًا٣.
هذا وجميع قوَّتك وشدَّتها إنما تذهب في المجرى بمحل٤ الوتر له إذ الوتر ليس مواريًا لموضع القضيب، إنما الوتر على وجه المَجْرَى
(١) في (مط)، (ح) (قوس).
(٢) في (ح)، (مط) (الجهيد).
(٣) انظر موسوعة الأمثال العربية (١/ ٣٦٨) للشطر الأول فقط.