- ويكفي من عيوبك أن الوتر منك ربما كان على وجه المجرى، فرجع السهم إلى وجه الرامي، فيقتله، وربما كان فُوقُ١ السهم فيه ضيِّق عن الوتر، فينبذ به القوس إلى ناحية أخرى غير المرمى، فيقتل مَن كان قريبًا منه، وربما كانت الجَوْزَة عالية جدًّا، فينبذ الوترُ السهم إلى ناحية أخرى، أو إلى وجه الرامي فيقتله، ولقد شوهد بعض رماة هذا القوس وقد مال قوسُه، وألقى فيها سهمه، وهو يريد أن يضرب سَبُعًا ضَارِيًا كان يؤذي الناس، فلما فوَّق نحو السبع رجع السهم إلى وجهه، فضربه ضربة في عينه، فاحتبس فيها، وكان إخراجه من عينه بعد الجهد الشديد٢، والمشقة العظيمة، وقد سالت على وجنته، فآلى الرجل على نفسه أن لا يرمي بهذه القوس أبَدًا.
وأما ما يسمع لك من القَعْقَعَة والجَعْجَعَة، فهي التي غرَّت جهَّال الناس بمنافع قوس الرِّجل ومصالحها؛ فإنهم إذا سمعوا صوتَ تلك القعاقع، وشاهدوا هول تلك الجعاجع؛ ظنَّوها لقوَّتك وشدة بأسك، أو لقوَّة الرامي بك، ولسان الحال يقول: أسْمَعُ جَعْجَعَةً ولا أرى طِحنًا، وأشاهد قَعْقَعْةً ولا أرى فِعْلًا٣.
هذا وجميع قوَّتك وشدَّتها إنما تذهب في المجرى بمحل٤ الوتر له إذ الوتر ليس مواريًا لموضع القضيب، إنما الوتر على وجه المَجْرَى
(١) في (مط)، (ح) (قوس).
(٢) في (ح)، (مط) (الجهيد).
(٣) انظر موسوعة الأمثال العربية (١/ ٣٦٨) للشطر الأول فقط.
(٤) في (مط) (ويحل)، وفي (ح) (تحل).
والقضيب في نصفها، فزالت قوة القوس من السهم، وحصلت جميع القوة في المجرى، وقد حدَّدَ حذَّاق هذا الرمي ما يصل من القوَّة إلى السهم، فوجدوا ربع القوَّة، فما ظنُّك بربع القوة مع الخَطَر والغَرَر؟!
ويكفي في١ التفضيل أن أول من رمى بك نُمْرُوْد بن كَنْعَان؛ كما تقدَّم، وأوَّل من رمى بي آدم أبو البشر؛ كما حكاه محمد بن جرير الطَّبري في "تاريخه"٢: إنَّ الله سبحانه لما أمر آدم بالزراعة حين أُهبط إلى الأرض٣ من الجنة فزرع؛ أرسل الله تعالى إليه طائرين يأكلان ما زرع، ويخرجان ما بذر، فشكا ذلك إلى الله تعالى، فأهبط٤ عليه جبريل وبيده قوس ووتر وسهمان، فقال: يا جبريل! ما هذا - وأعطاه القوس -؟ قال: هذه قوة من٥ الله تعالى. وأعطاه الوتر، وقال: هذه شدَّة من٦ الله، ثم أعطاه السَّهْمَيْن، فقال: يا جبريل: ما هذه؟ فقال: هذه نكاية الله تعالى، وعلَّمه الرمي بها، فرمى بهما الطائرين، فقتلهما وسُرَّ بذلك.
ثم صار عِلْم الرمي إلى إبراهيم الخليل، ثم إلى ولده إسماعيل، وقد ثبت في "الصحيح"٧ عن النبي ﷺ أنه قال لنفر من أَسْلَم: "ارموا