كالرّواح إلى تعلُّم العِلْم، فيذهب على وضوء، ذاكرًا الله ﷿، عامدًا إلى روضة من رياض الجنة، وعليه السكينة والوقار، فإذا وصل إلى الموضع؛ دخل بأدبٍ، وسلَّم، ووضع سلاحَه، وحَسُنَ أن يصلي ركعتين، وليست١ بتحيَّة البقعة، ولكنها مفتاح للنجاح والإصابة، فالأمور إذا افتتحت بالصلاة، كانت جديرة بالنُّجْح، ثم يدعو ويسأل الله التوفيق والسَّداد، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "يا علي! سَلِ الله الهُدَى والسَّداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسَّداد سداد السهم"٢.
ثم يُخْرِج قوسَه ويتفقَّده، ثم يتفقَّد سهامه، فيُمِرُّها على إبهامه، وينظر ما ينبغي الرَّمي به، فإذا وقع اختيارُه على رشق منه - وهو النَّدب - مسحه، وتركه، ثم يُوتِر قوسه، ويتفقد وَتَرَه، وينظر في سِيَة٣ القوس ومَغَامِزها، فإن كانت على الاستواء، رَمَى عليها، وإن كانت على٤ اختلاف، تجنَّبها.
فإذا رمى رسيله، لم يبكِّته على خطإ، ولم يضحك عليه منه؛ فإنَّ هذا من٥ فِعْل السُّفَّل، وقلَّ أن أفلح مَنِ اتَّصف به، ومن بَكَّتَ بُكِّتَ به، ومن ضَحِك من الناس، ضُحِك منه٦، ومن عيَّر أخاه بعمل، ابتُلِي به ولا بُدَّ، ولا يَحْسِدُه على إصابته، ولا يصغِّرها في قلبه،
(١) في (ظ، مط) (وليس).
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٧٢٥) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٣) في (ح) (سنه).
(٤) في (مط) (ح) (فيها).
(٥) من (ظ).
(٦) في (مط) (عليه).
ويقول: رَمْية من غير رام ونحو هذا من١ الكلام، ولا يَحْسُن أن يُحِدَّ النظر إلى رسيله حال رميه؛ فإن ذلك يشغله، ويشوِّش عليه قلبه، وجمعيَّته، وينبغي للرُّماة أن يخرجوا هذا من بينهم فإنَّ ضرره يعود عليهم.
فإذا وصلت النوبة إليه قام، فشمَّر كُمَّهُ وذَيْلَه، وسمَّى الله، وأخذ سهامه بيمينه، وقوسه بيساره، ووقف على موقفه بأدبٍ وسكينةٍ ووقارٍ وإطراقٍ ولَبَاقةٍ وخفَّةٍ واستمدادٍ ممَّن الحولُ والقوَّة بيده أن يُمِدَّه بالقوة٢ والإصابة، ويجعل سهامَه بين رجليه، وسِيَةَ قوسِه السُّفْلَى على الأرض، والعليا عند صدره، ثم يأخذ السهم٣، فيديره على إبهامه، ويمسك القوس بلباقة، ويُفَوِّق عليه السهم كما ينبغي، ويعتمد على وسطها، ويمدُّ، فإذا بلغ نهايته، سَكَن قليلًا، ثم أطْلَق.
فإذا خرج السَّهمُ، تأمَّل موضع وقوعِه، فإنْ مرَّ سادًّا حفظ ذلك الوضع والهيئة، ورعاهما كلما رمى، وإن خرج إلى يمين الغرض أو يساره أو أعلاه أو أسفله، نظر في علَّة ذلك، ومن أي شيء حدث، هل هو من قِبَل القوس، أو الوتر، أو السهم، أو الريح، أو من قبل الرامي نفسه، إما مِنْ قبضه، أو عقده، أو إطلاقه، أو نظره؟
فإذا وقع على علَّة الخطإ تجنَّبها، وسمَّى الله تعالى عند كلِّ رمية، فإن أصاب، حَمِدَ الله تعالى، وأثنى عليه، وقال: هذا من فضْلِ ربي، وإن