فمن أجراها١ على عقدة إبهامه؛ فهو عيبٌ عند الحذَّاق؛ لأنه لا يخلو أن يضربه فيه الريش فيجرحه، وربما ضربه السهم٢ فعقر أصبعه.
وأما من يجريها على سبَّابته، وهو أحسن قليلًا من الأول، وكلاهما مذهب أهل الاستواء في قبضته، وليسا بجيِّدين.
وأما من يجريها على أصل ظفري أصبعيه: الإبهام والسبابة كعاقد ثلاثين؛ فهو مذهب التوسُّط، وهو أحْمَدُ المذاهب.
وأما من يوقف٣ إبهامه، فيجريها على طرف ظفره، كعاقد ثلاث عشرة؛ فهو مذهب أهل التَّحريف، وهو رديء جدًّا؛ لأن صاحبه يحرف قبضته تحريفًا شديدًا، ويوقف إبهامه، فإنْ هو أمال قوسه قليلًا سقط السهم من على ظفره، وهو رديءٌ في الحرب، لا يكاد يستقيم له رميٌ؛ لسرعة سقوط سهمه.
ذكر سبب٤ ارتفاع السهم في الجوِّ ونزوله وسداده
اختلف أهل العلم من الرُّماة في ذلك اختلافًا متباينًا، ونحن نذكر أقوالهم وما فيها، ونبيِّن الصحيح منها.
* فقالت طائفة: سبيل السَّهم إذا خرج من كَبد القوس أن يقطع ما بينَه وبين الغرضِ في خطِّ الاستواء بغير صُعُود وَلا هبوط، بل محاذِيًا
(١) في (مط)، (ح) (أجرى بها).
(٢) في (ظ) (فقتله فعقر).
(٣) في (ظ) (وقف).
(٤) ليس في (مط).
للموضع الذي خرج منه، فلمَّا رأيناه على خلاف ذلك في ارتفاعه ونزوله، طلبنا عِلَّة ذلك، فرأيناهُ من واحدٍ من ثلاث: إما من القوس وآفته فيه، وإما من السهم، وإما من الرامي، فلا بدَّ من آفةٍ خفِيَّة في واحدٍ من هذه الثلاث.
وردَّت طائفة أخرى هذا القول، وقالت: ما رأينا راميًا قطُّ، ولا نُقِلَ إلينا أبدًا أنه رَمَى بسهمٍ، فقطع المدى في خط الاستواء، محاذيًا لموضع مخرجه، لا صاعدًا، ولا نازلًا، ولم تخلُ الأرضُ من رامٍ لا آفة في رميه ولا قوسه، ولا سهمه، بحيث تجمع الرُّماة على اعتدال الثَّلاثة المذكورة وسلامتها من كلِّ عيب.
* وقال آخرون: العلَّة في الارتفاع والانخفاض من جهة اختلاف بناء١ القوس؛ فإنَّها إذا غلبت بيتها الأعلى ارتفع السهمُ في أوَّل مداه، وإذا غلب الأسفل٢ ارتفع في آخر مداه.
وردَّ عليهم آخرون منهم، وقالوا: هذا لا يصحُّ؛ لأنا نجدُ القوسَ المعتدلةَ البيتين، الصحيحة التَّركيب، بيد الرَّجل الحاذق في الرمي، يرتفعُ عنها السهمُ جدًّا، وربما ارتفع أكثر من ارتفاع من هو دونه.
* وقالت طائفةٌ أخرى: ليس ارتفاعُ السهم من قِبَلِ القوس ولا الرامي، ولا من قِبَلِ السهم في نفسه، بل من أمر خارجٍ، وهو الهواء الحامل له، وذلك أن السهم٣ إذا كان شديدًا ثقيلًا، والقوس صلبة،
(١) ليس في (ظ).
(٢) في (مط)، (ح) (ارتفع السهم من أول مداه، وإذا غلبه الأول).