قال عمرو بن معد يكرب: "الفزعات ثلاثة: فمن كانت فزعته في رجليه فذاك الذي لا تُقِلُّهُ رجلاه، ومن كانت فزعته في رأسه فذاك الذي يفرُّ عن أبويه، ومن كانت فزعته في قلبه فذاك الذي لا يقاتل"١.
والجبن والشجاعة غرائز وأخلاق، فالجبان يفرُّ عن عُرسه، والشجاع يقاتل عن٢ من لا يعرفه؛ كما قال الشاعر٣:
والشُّجاع ضدُّ البخيل، لأن البخيل يضنُّ بماله، والشجاع يجودُ بنفسه؛ كما قال القائل:
كم بينَ قومٍ إنَّما٤ نفقاتُهُممَالٌ وقَوْمٍ يُنْفِقُونَ نُفُوسا
= في (ح) (جان بلا وجل).
(١) انظر العقد الفريد (١/ ١٢٤).
(٢) ليس في (ظ).
(٣) من (ظ)، وانظر هذا البيت في عيون الأخبار (١/ ١٧٢) ولم ينسبه لأحد. وفي العقد الفريد (١/ ١٢٤ - ١٢٥).
(٤) من (ظ). وانظر البيت في ديوان أبي تمّام (ص ٣٢١ - بشرح إيليا الحاوي).
وقال الآخر:
تَجُودُ بالنَّفْسِ إنْ ضَنَّ البخيل بهاوالجُودُ بالنَّفْسِ أقصى غَايَةِ الجُودِ١
وهذا غير مطَّردٍ في بني آدم؛ فإنهم على أربع طبقات:
- فمنهم: الجواد الشجاع، يجود بماله ونفسه.
- ومنهم: البخيل الجبان.
- ومنهم: الجواد الجبان، يجود بماله، ويضنُّ بنفسه.
- ومنهم: الشجاع البخيل؛ فإنه مُنح خُلُقَ الشجاعة، وحُرِم خلق الجود؛ فإن الأخلاق مواهبُ يهبُ الله منها ما يشاء لمن يشاء، ويجبل خلقه على ما يريد منها، كما قال النبيُّ ﷺ لأشجّ عبد القيس: "إنَّ فيك خُلُقَينِ يحبُّهما الله: الحِلْمُ، والأناةُ". قال: خُلُقين تخلَّقتُ بهما أم جُبلْتُ عليهما؟ قال: "بل جُبِلْتَ عليهما". فقال: الحمد لله الذي جَبلني على ما يُحِبّ٢.
ومن هنا يظهر أنه لا تلازُم بين الشجاعة والجود، كما ظنَّه بعض الناس، وإن كانت الأخلاق الفاضلة تتلازم وتتصاحب غالبًا، وكذلك الأخلاق الدَّنيئة.
(١) في (ظ) (آخر) بدلًا من (الآخر)، وانظر البيت في العقد الفريد (١/ ٢٤٦) ونسبه لحبيب. تنبيه: وقع في (ظ) (الجواد) بدلًا من (البخيل).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٧) و(١٨) من حديثي ابن عباس وأبي سعيد الخدري ﵃.