تَجُودُ بالنَّفْسِ إنْ ضَنَّ البخيل بهاوالجُودُ بالنَّفْسِ أقصى غَايَةِ الجُودِ١
وهذا غير مطَّردٍ في بني آدم؛ فإنهم على أربع طبقات:
- فمنهم: الجواد الشجاع، يجود بماله ونفسه.
- ومنهم: البخيل الجبان.
- ومنهم: الجواد الجبان، يجود بماله، ويضنُّ بنفسه.
- ومنهم: الشجاع البخيل؛ فإنه مُنح خُلُقَ الشجاعة، وحُرِم خلق الجود؛ فإن الأخلاق مواهبُ يهبُ الله منها ما يشاء لمن يشاء، ويجبل خلقه على ما يريد منها، كما قال النبيُّ ﷺ لأشجّ عبد القيس: "إنَّ فيك خُلُقَينِ يحبُّهما الله: الحِلْمُ، والأناةُ". قال: خُلُقين تخلَّقتُ بهما أم جُبلْتُ عليهما؟ قال: "بل جُبِلْتَ عليهما". فقال: الحمد لله الذي جَبلني على ما يُحِبّ٢.
ومن هنا يظهر أنه لا تلازُم بين الشجاعة والجود، كما ظنَّه بعض الناس، وإن كانت الأخلاق الفاضلة تتلازم وتتصاحب غالبًا، وكذلك الأخلاق الدَّنيئة.
(١) في (ظ) (آخر) بدلًا من (الآخر)، وانظر البيت في العقد الفريد (١/ ٢٤٦) ونسبه لحبيب. تنبيه: وقع في (ظ) (الجواد) بدلًا من (البخيل).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٧) و(١٨) من حديثي ابن عباس وأبي سعيد الخدري ﵃.
فصلٌ
وكثيرٌ من الناس تشتبه عليه الشجاعة بالقُوَّة، وهما متغايران، فإن الشجاعة هي١: ثباتُ القلب عند النوازل؛ وإن كان ضعيف البطش٢.
وكان الصِّدِّيق ﵁ أشجع الأُمَّة بعد رسول الله ﷺ، وكان عُمَرُ وغَيْرُهُ أقوى منه، ولكن برز على الصحابة كلهم بثباتِ قلبه في كل موطن من المواطن التي تزلزل الجبال، وهو في ذلك ثابت القلب، ربيط الجأش، يلوذ به شجعان الصحابة وأبطالهم، فيثبَّتُهم ويشجِّعُهم.
ولو لم يكن له٣ إلا ثبات قَلْبه يوم الغَار وليلته.
وثبات قَلْبهِ يوم بَدْرٍ، وهو يقول لرسول الله ﷺ: "يا رسول الله! كفاك بعض٤ مناشدتك ربَّك؛ فإنه منجز لك ما وعدك"٥.
وثبات قلبه يوم أحد، وقد صَرَخ الشيطان في الناس بأن مُحَمَّدًا قد قُتِل، ولم يبق أحدٌ مع رسول الله ﷺ إلا دون عشرين في٦ أُحدٍ، وهو مع٧ ذلك ثابت القلْب، سَاكن الجَأْش.
(١) من (ظ).
(٢) انظر كتاب الروح للمؤلف ص ٣٥٢ - ٣٥٣.
(٣) من (ظ).
(٤) من (ظ).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٤٥٩٤)، ومسلم في صحيحه رقم (١٧٦٣) واللفظ لمسلم مطوّلًا من حديث ابن عباس ﵄.