وكثيرٌ من الناس تشتبه عليه الشجاعة بالقُوَّة، وهما متغايران، فإن الشجاعة هي١: ثباتُ القلب عند النوازل؛ وإن كان ضعيف البطش٢.
وكان الصِّدِّيق ﵁ أشجع الأُمَّة بعد رسول الله ﷺ، وكان عُمَرُ وغَيْرُهُ أقوى منه، ولكن برز على الصحابة كلهم بثباتِ قلبه في كل موطن من المواطن التي تزلزل الجبال، وهو في ذلك ثابت القلب، ربيط الجأش، يلوذ به شجعان الصحابة وأبطالهم، فيثبَّتُهم ويشجِّعُهم.
ولو لم يكن له٣ إلا ثبات قَلْبه يوم الغَار وليلته.
وثبات قَلْبهِ يوم بَدْرٍ، وهو يقول لرسول الله ﷺ: "يا رسول الله! كفاك بعض٤ مناشدتك ربَّك؛ فإنه منجز لك ما وعدك"٥.
وثبات قلبه يوم أحد، وقد صَرَخ الشيطان في الناس بأن مُحَمَّدًا قد قُتِل، ولم يبق أحدٌ مع رسول الله ﷺ إلا دون عشرين في٦ أُحدٍ، وهو مع٧ ذلك ثابت القلْب، سَاكن الجَأْش.
(١) من (ظ).
(٢) انظر كتاب الروح للمؤلف ص ٣٥٢ - ٣٥٣.
(٣) من (ظ).
(٤) من (ظ).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٤٥٩٤)، ومسلم في صحيحه رقم (١٧٦٣) واللفظ لمسلم مطوّلًا من حديث ابن عباس ﵄.
(٦) من قوله (رسول) إلى (في) من (ظ).
(٧) في (ح، مط) (في).
وثبات قلبه يوم الخندق، وقد زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر.
وثبات قلبه١ يوم الحديبية، وقد قلق فارس الإسلام عمر بن الخطاب، حتى إن الصدَّيق ليثبَّتُه ويُسكِّنُه ويُطَمْئنُه.
وثبات قلبه يوم حُنينٍ، حيث٢ فرَّ الناس، وهو لم يفرّ.
وثبات قلبه حين النازلة التي اهتزَّت لها الدنيا أجمع، وكادت تزول٣ لها الجبال، وعُقِرَت لها أقدام الأبطال، وماجتْ لها قلوبُ أهل الإسلام، كموج البحر عند هُبُوْب قواصف٤ الرياح، وصاح لها٥ الشيطان في أقطار الأرض أبلغ الصِّيَاح، وخرج الناس بها من دين الله أفواجًا، وأثار عدو الله تعالى بها أقطار الأرض عجَاجًا، وانقطع لها الوحي من السماء، وكاد لولا دفاع الله تعالى لطمس نجوم الاهتداء، وأنكرت الصحابة بها قلوبهم، كيف لا وقد فقدوا رسولهم من بين أظهُرِهِم وحبيبهم، وطاشت الأحْلام، وغشي الآفاق ما غشيها من الظلام، واشرأبَّ النفاق، ومدَّ أهله الأعناق، ورفع الباطل رأسًا كان تحت قدم الرسول ﷺ موضوعًا، وسَمِع المسلمون من أعداء الله تعالى ما لم يكن في حياته بينهم مَسْمُوعًا، وطمع عدوُّ الله أن يُعيد