الفروسية

وثبات قلبه يوم الخندق، وقد زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر.

وثبات قلبه١ يوم الحديبية، وقد قلق فارس الإسلام عمر بن الخطاب، حتى إن الصدَّيق ليثبَّتُه ويُسكِّنُه ويُطَمْئنُه.

وثبات قلبه يوم حُنينٍ، حيث٢ فرَّ الناس، وهو لم يفرّ.

وثبات قلبه حين النازلة التي اهتزَّت لها الدنيا أجمع، وكادت تزول٣ لها الجبال، وعُقِرَت لها أقدام الأبطال، وماجتْ لها قلوبُ أهل الإسلام، كموج البحر عند هُبُوْب قواصف٤ الرياح، وصاح لها٥ الشيطان في أقطار الأرض أبلغ الصِّيَاح، وخرج الناس بها من دين الله أفواجًا، وأثار عدو الله تعالى بها أقطار الأرض عجَاجًا، وانقطع لها الوحي من السماء، وكاد لولا دفاع الله تعالى لطمس نجوم الاهتداء، وأنكرت الصحابة بها قلوبهم، كيف لا وقد فقدوا رسولهم من بين أظهُرِهِم وحبيبهم، وطاشت الأحْلام، وغشي الآفاق ما غشيها من الظلام، واشرأبَّ النفاق، ومدَّ أهله الأعناق، ورفع الباطل رأسًا كان تحت قدم الرسول ﷺ موضوعًا، وسَمِع المسلمون من أعداء الله تعالى ما لم يكن في حياته بينهم مَسْمُوعًا، وطمع عدوُّ الله أن يُعيد

  1. (١) من قوله (يوم) إلى (قلبه) من (ظ).
  2. (٢) في (مط)، (ح) (حين).
  3. (٣) في (ح)، (مط) (تزلزل).
  4. (٤) في (مط) (عواصف).
  5. (٥) من (ظ)، وكذا ما بعدها.
467

الناس إلى عبادة الأصنام، وأن يصرف وجوههم عن البيت الحرام، وأن يصدَّ قلوبهم عن الإيمان والقرآن، ويدعوهم إلى ما كانوا عليه من التهوُّد والتمجُّس والشرك وعبادة الصُّلبان، فشمَّر الصدِّيق ﵁ من جِدِّه عن ساقٍ غير خوَّار، وانْتَضَى سيف عزمه الذي هو ثاني ذي الفقار، وامتطى من ظُهور عزائمه١ جوادًا لم يكن يَكْبُو السَّبَاق، وتقدَّم جنود الإسلام فكان أفرسهم إنما همُّه اللَّحَاق، وقال: "والله لأجاهدنَّ أعداء الإسلام جَهْدِي، ولأَصدُقَنَّهُمُ الحرب حتى تنفرد سالفتي أو أفرد وحدي، ولأدْخِلَنَّهُم في الباب الذي خرجوا منه، ولأرُدَّنَّهُم إلى الحق الذي رغبوا عنه٢ "٣ فثبَّت الله تعالى بذلك القلب - الذي لو وُزِن بقلوب الأمة لرجَحَها - جيوش الإسلام، وأذلَّ بها المنافقين والمرتدين وأهل الكتاب وعبدة الأصنام، حتى استقامت قناة الدين من٤ بعد اعوجاجها، وجرت الملَّة الحنيفية على سننها ومنهاجها، وتولّى حزبُ الشيطان وهم الخاسرون، وأذَّن مؤذَّن الإيمان على رؤوس الخلائق: ألا إنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالِبون٥.

هذا؛ وما ضعفت جيوش عزماته، ولا استكانت ولا وهنت، بل لم تزل الجيوش بها مؤيَّدة ومنصورة، وما فرحت عزائم أعدائه بالظفر

  1. (١) ليس في (مط).
  2. (٢) في (ظ) (فيه) وهو خطأ.
  3. (٣) لم أقف عليه.
  4. (٤) من (ظ).
  5. (٥) يشير إلى قوله تعالى ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ٥٦﴾ [المائدة: ٥٦].
468

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي