تلك لعَمْر الله تعالى الشجاعة التي تضاءلت لها فُرْسَان الأمم، والهِمَّة التي تصاغرت عِنْدها عَلِيَّات الهِمَم، ويحقُّ لصدِّيق الأُمَّة أن يضْرِب من هذا المَغْنم بأوفر نصيب، وكيف لا وقد فاز من ميراث النبوَّة بكمال التَّعْصِيْب.
وقد كان الموروث صلوات الله تعالى وسلامه عليه أشجع الناس، فكذلك وارثه وخليفته من بعده أشجع الأمَّة بالقياس، ويكفي أنَّ عمر بن الخطاب سهمٌ من كِنَانَتِه، وخالد بن الوليد سلاحٌ من أسْلِحته، والمهاجرون والأنصار أهل بيعته وشوكته، وما منهم إلا من اعترف أنه يستمدُّ من ثباته وشجاعته.
فصلٌ في مراتب الشَّجَاعة والشُّجْعان
أول مراتبهم: الهُمام: وسُمَّيَ بذلك لِهِمَّته وعَزْمِه، وجاء على بناء فُعَال؛ كشُجَاع.
الثاني: المِقْدام: وسُمِّي بذلك من الإقدام، وهو ضدُّ الإحجام، وجاء على أوزان المبالغة؛ كمِعْطاء، ومِنْحَار؛ لكثير العطاء والنَّحْر، وهذا البنَاء يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث؛ كامرأةٍ مِعْطار: كثيرة التَّعَطُّر٢، ومِذْكَار: تَلِدُ الذكور.
(١) في (مط) (مغلوبة).
(٢) في (مط) (العطر).
الثالث: الباسِل: وهو اسم فاعل من بَسُل يبْسُل؛ كشرُف يشْرُف والبَسَالة: الشجاعة والشدَّة. وضِدُّها: فشُل يفْشل فَشَالة وهي على وزنها فِعْلا ومصدرًا، وهي الرَّذالة.
الرابع: البَطَل: وجَمْعُه: أبْطَال، وفي تسميته قولان:
- أحدهما: لأنه١ يُبْطِلُ فِعْل الأقران، فتَبْطُل عنده شجاعة الشُّجعان، فيكون: بطلٌ بمعنى مفعولٍ في المعنى؛ لأن هذا الفعل غيرُ متعدٍّ.
- والثاني: أنه بمعنى فاعل لفظًا ومعنى؛ لأنه الذي يُبْطِل شجاعة غيره، فيجعلها بمنزلة العدم، فهو بطلٌ بمعنى: مُبْطِل٢.
ويجوز أن يكون بطلٌ بمعنى مُبْطَل؛ بوزن٣ مُكْرَم، وهو الذي قد بَطَلَهُ غيرُه، فلِشَجاعته تحاماه الناس، فبَطَلوا فعله باستسلامهم له، وترك محاربتهم إياه.
الخامس: الصَّنْدِيْد: بكسْر الصَّاد، والعامَّة تلحن فيه٤ فيقولون: صَنديد، بفتحها، وليس في كلامهم فَعليل بفتح الفاء، وإنما هو بالكسر في الأسماء: كقِنْدِيل وحِلْتِيت، وفي الصَّفات: كشِمْلِيل، والصَّنديد: الذي لا يقوم له شيءٌ.