"وإنَّ حقًّا على اللهِ ﷿ أن لا يرفعَ شيئًا من الدُّنيا إلا وضَعَهُ".
قلتُ: تأمَّل قوله في اللفظ الأول: "أن لا يرفع شيئًا"، وفي اللفظ الثاني: "أن لا يرفع شيئًا من الدُّنيا إلا وضَعَهُ"، فجعل الوضع لما رفع وارتفع١، لا لما رَفَعَه سبحانه؛ فإنه سبحانه إذا رفع عبدَه بطاعتِه، وأعزَّه بها، لا يَضعُه أبدًا٢.
فصلٌ
وأما٣ تناضل أصحابه بالرمي بحضرته:
ففي "صحيح البخاري"٤ عن سلمة بن الأكوع قال: مرَّ رسول الله ﷺ على نفرٍ من أصحابه٥ ينتضلونَ بالسُّوقِ، فقال: "ارموا يا بني إسماعيلَ فإنَّ أباكُم كان راميًا، ارموا وأنا مع بني فُلانٍ". قال: فأمسك أحدُ الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ: "ما لكُم لا تَرمونَ؟ "، فقالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: "ارموا، وأنا معكم كلكم".
(١) في (ح، مط) (أو ارتفع).
(٢) في (ح، مط) (بها) بدلًا من (أبدًا).
(٣) في (ظ) (في) بدلًا من (وأما).
(٤) رقم (٢٧٤٣).
(٥) في صحيح البخاري في مواضعه الثلاثة بنفر - وفي رواية (على قوم) - من أسلم، كما في (ح). ولفظة (بالسوق): أوْرَدها البخاري برقم (٣٣١٦) وهذا يدل على أن ابن القيم يجمع بين الروايات في سياق واحد.
فصلٌ
وأما مراهنة الصِّدِّيق للمشركين بإذنه وعلمه١:
فروى الترمذيُّ في "جامعه"٢ من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جُبَيْر عن ابن عباس في قول الله تعالى ﷿: ﴿الم ١ غُلِبَتِ الرُّومُ ٢ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣﴾[الروم: ١ - ٣] قال: "كان المشركون يحبُّون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان٣، وكان المسلمون يحبُّون أن يظهر الرومُ على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر ﵁، فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: "أما إنَّهم سيُغْلَبونَ"، فذكره أبو بكر لهم٤، فقالوا: اجعل
(١) في (ح)، (مط) (معلمه وإذنه).
(٢) - رقم (٣١٩٢) وأحمد (١/ ٢٧٦ و٣٠٤)، والبخاري في تاريخه الكبير (٢/ ٣٢٢)، والطبري في تفسيره (٢١/ ١٦ - ١٧)، والطبراني (١٢/ ٢٩) رقم (١٢٣٧٧) والحاكم (٢/ ٤١٠) رقم (٣٥٤٠) وغيرهم. والحديث تفرد به أبو إسحاق الفزاري عن سفيان الثوري به. ولهذا قال الترمذي: "حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة" وفي بعض النسخ (حسن غريب). والحديث صححه الحاكم وأقرَّه الذهبي، واختاره ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة (١٠/ رقم ١٤٤ و١٤٥) وصححه ابن القيم (ص/ ١٤٥) وغيرهم.