الفروسية

وهذا يقتضي عدم مساواة ما أثبتَه لما نفاه في الحكم والحقيقة، فلا يجوز التَّسوية بينهما.

وهذا كقوله ﷺ: "لا يُجْلَدُ فوق عشرةِ أسواط إلا في حدٍّ من حُدودِ الله"١، ففرَّق بين الحدِّ وغيره في تجاوز العشرة، فلا يجوز قياس أحدهما على الآخر، ولا الجمع بينهما في الحكم.

وكذلك منعُه من بيع الرُّطَب بالتمر، وتجويزه في العرايا٢، فلا يجوز الجمع بينهما في التحريم ولا في المنع.

وكذلك تحريمه ربا الفضل مع اتِّحاد الجنس في الأعيان التي نصَّ عليها، وتجويزه التفاضل مع اختلاف الجنس٣.

وكذلك سائر ما فَرَّق بينهما في الحكم.

فلا يُفَرَّق بين ما جَمع بينه، ولا يُجْمَع بين ما فَرَّق بينه، فلا بدَّ من إلغاء أحد الأمرين: إما إلغاء ما اعتبرتموه من الجمع بين ما فَرَّق الشارع بينه، أو إلغاء ما اعتبره من الفَرْق، ولا سبيل إلى الثاني، فتعيَّن الأوَّل.

  1. (١) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤٥٦ - ٦٤٥٨) ومسلم (١٧٠٨) من حديث أبي بردة الأنصاري ﵁. وعند البخاري (جلدات) بدلًا من (أسواط)، وعند مسلم (.. أحدٌ فوق …).
  2. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٤٠). من حديث سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ: (نهى عن بيع الثمَر بالتَّمْر، ورخص في العرية أن تباع بخرصها، يأكلها أهلها رطبًا) لفظ البخاري.
  3. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٠٧١)، ومسلم (١٥٩٠) من حديث أبي بكرة ﵁.
    تنبيه: وقع في (ظ) (على اختلاف) بدلًا من (مع اختلاف).
29

ثمَّ تبيَّن أنَّ ما ذكرتُموه من الجمع ليس بصحيح، فأيُّ فروسيَّة وأيُّ مصلحةٍ للإسلام وأهله وللمجاهدين١ في مسابقة السُّعاة على أقدامهم؟! ومتى انكسر بأحدِهم عدوٌّ، وانتصر به حقٌّ، أو تقوَّتْ به فئة؟! ومتى بُعث بريدٌ على قدميه؟!٢.

فأحسن أحوال هذا العمل أن يكونَ مباحًا، فأما التَّراهن عليه فلا.

وأما ما نظَّرْتُم به هذا٣ الحديث من قوله ﵊: "لا ربا إلا في النَّسيئة"، و"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"٤ ونظائرهما؛ فلو نظّرتُموه بقوله ﵊: "لا صلاة لمنْ لا وضوء له"٥، و"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"٦، و"لا صيام لمن لم

  1. (١) في (ظ) (للمجاهدين)، وفي (ح) (والمجاهدين).
  2. (٢) وقع في النسخ اضطراب في العبارة، من قوله (بأحدهم) إلى (بريد) والبريد: الرَّسول.
  3. (٣) ليس في (ظ).
  4. (٤) تقدما قريبًا.
  5. (٥) أخرجه الترمذي رقم (٢٥) وابن ماجه رقم (٣٩٨) وأحمد في المسند (٤/ ٧٠) رقم (١٦٦٥١) والدارقطني في السنن (١/ ٧٢ - ٧٣) والبيهقي (١/ ٤٣) وغيرهم من حديث سعيد بن زيد.
    والحديث تكلم فيه الإمام أحمد والبخاري وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم.
    وصححه أو حسنه: ابن أبي شيبة، والمنذري وابن سيد الناس والعراقي وابن القيم وغيرهم.
    انظر جنة المرتاب ص ١٧٩ - ١٨١، وتحقيق المسند (٢٧/ ٢١١ - ٢١٣).
  6. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
30

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي