ذلك، ثم ردّ عليهم من وجوه كثيرة (الأبيات ٩٥٦ - ١٠١١). ثم عقد فصلًا في الردّ على أهل الكلام في استدلالهم على إثبات الصانع بدليل الجواهر والأعراض المقطوع به عندهم. وبيّن بطلان هذا الدليل وفساده واستغناء المسلمين بأدلة الكتاب والسنة عنه، وأنه فتح للطاعنين في الدين والمحاربين له بابًا للكيد للإسلام
* مسألة علوّ الله تعالى على خلقه:
بعدما انتهى الناظم من إيضاح الحق في مسألة كلام الله تعالى، والردّ على المخالفين والمبتدعين، انتقل ﵀ إلى بحث مسألة أخرى مهمة من مسائل العقيدة، زلت فيها أقدام، وضلت فيها أفهام، ولم ينج من الانحراف فيها إلّا من اعتصم بالحبل الوثيق وتمسك بالكتاب والسنة، ألا وهي مسألة علوّ الله تعالى على خلقه.
وصفة العلوّ من أظهر الصفات التي جاءت بها النصوص متواترة من الكتاب والسنة، وأجمع على إثباتها سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، بل أجمعت عليها الرسالات السماوية السابقة. وقد عني السلف بتقرير مسألة العلو عناية كبيرة، حتى أفردوها بمصنفات مستقلة، وحذا ابن القيم حذوهم وألف فيها كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية". ثم فصل القول فيها في هذه القصيدة أيضًا. وزاد عدد الأبيات التي تناول فيها هذه المسألة على سبعمائة بيت (١٠٤٦ - ١٧٦٨).
وقد بدأ الكلام فيها بفصل عنوانه: "فصل في الرد على الجهمية المعطلة القائلين بأنه ليس على العرش إله يعبد، ولا فوق السموات إله
يصلى له ويسجد، وبيان فساد قولهم عقلًا ونقلًا ولغة وفطرة". ثم شرع في مناقشة منكر العلو نقاشًا عقليًّا ألزمه فيه بالقول بعلو الله تعالى على خلقه وإلا وقع في التناقض ومخالفة العقل والنقل واللغة والفطرة، ثم ساق هذا الدليل العقلي على وجه آخر وألزم المعطل بالقول بالعلو (١٠٤٦ - ١١١٢).
ثم انتقل ﵀ إلى بيان الأدلة النقلية المثبتة لعلو الله على خلقه، وقسمها إلى واحد وعشرين نوعًا، أولها: التصريح باستواء الرب فوق العرش. وآخرها: مجيء الرب لفصل القضاء (١١١٣ - ١٧٦٨). وقد ختم الأدلة بقوله:
وقد اقتصرتُ على يسيرٍ من كثيـ .... ـرٍ فائتٍ للعدّ والحسبانِ
ما كلُّ هذا قابلَ التأويل بالتــحريف فاستحيُوا من الرحمنِ
* قضية التأويل:
بعدما أفاض ابن القيم في إثبات صفة الكلام وصفة العلو، وذكر مذاهب الفرق المختلفة في المسألتين، وبين الحقّ الذي يدلّ عليه الكتاب والسنة، ورأى أن السلاح الذي يستعمله أهل البدع في ردّ النصوص هو التأويل = توجّه إلى الكلام عليه١، فعقد فصلًا "في جناية التأويل على ما جاء به الرسول، والفرق بين المردود منه والمقبول" وقال:
(١) وقد تكلم عن التأويل بالتفصيل في أولى كتابه الصواعق المرسلة.