النونية
فكلّ ما منه تعالى يجمُلُلأنّه عن فعله لا يُسْأَل١

وهذا الكلام مبني على نفي الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، فلا فرق في فعله أن يثيب المطيعين ويضاعف لهم إحسانهم، أو أن يعذبهم على تلك الطاعات وذلك الإحسان. فالظلم منه ليس له حقيقة يمكن وجودها، بل هو من الأمور الممتنعة لذاتها، فلا يجوز أن يكون مقدورًا له، ولا أن يقال إنه تارك له باختياره ومشيئته٢.

وعلى هذا فلا يكون لنفي الظلم عنه فائدة، إذ إنه ليس متصورًا إذا كان تعذيبه العباد بجرم أو بغير جرم سواء.

والحق أنه ﷾ كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم، وهذا منه سبحانه على نفسه، فلا أحد يوجب عليه شيئًا، أو يحرم. وتعذيب العباد من غير جرم ولا استحقاق للعذاب ظلم نفاه عن نفسه ﷿ كما قال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ٤٦﴾ [فصلت: ٤٦] وقال سبحانه: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]٣.

والناظم -رحمه الله تعالى- قد قرر في أبيات قبل هذه إثبات الحكمة في أفعال الله تعالى حيث قال:

  1. (١) لوامع الأنوار ١/ ٣٢٠.
  2. (٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١٨/ ١٣٨ وما بعدها.
  3. (٣) انظر تعليقًا منسوبًا للشيخ عبد الله أبا بطين على هذه المسألة في حاشية لوامع الأنوار ١/ ٣٢٠.
188
وربُّنا يخلُقُ باختيارمِن غير حاجة ولا اضطرار
لكنه لا يخلُق الخلقَ سدىكما أتى في النصِّ فاتْبَعِ الهدى١

ثم حكى في الشرح قول من يقول بنفي العلة في أفعال الله تعالى وأبان أنه قول مرجوح، ورجّح قول من أثبت الحكمة، ونقل عن شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم نقولًا في ذلك.

وكان مما قاله الناظم في هذا: "والحاصل أن شيخ الإسلام وجمعًا من تلامذته أثبتوا الحكمة والعلة في أفعال الباري جل وعلا، وأقاموا على ذلك من البراهين ما لعله لا يبقي في مخيلة الفطين السالم من ربقة تقليد الأساطين أدنى اختلاج وأقل تخمين"٢.

وحين حكى قول المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح على الله تعالى، وقولَ الأشاعرة في تجويز ما ينافي حكمة الله تعالى وعدله، أثنى على الفرقة الوسط بين ذلك وهم أهل السنة فقال: "الفرقة الثالثة: هم الوسط بين هاتين الفرقتين، فإن الفرقة الأولى أوجبت على الله شريعة بعقولها وحرّمت عليه وأوجبت ما لم يحرمه على نفسه ولم يوجبه على نفسه. والفرقة الثانية جوّزت عليه ما يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته حكمته وكماله. والفرقة الوسط أثبتت له ما أثبته لنفسه من الإيجاب والتحريم الذي هو مقتضى أسمائه وصفاته الذي لا يليق به نسبته إلى ضدّه؛ لأنه موجب كماله وحكمته وعدله، ولم تدخله تحت

  1. (١) لوامع الأنوار ١/ ٢٧٦.
  2. (٢) لوامع الأنوار ١/ ٢٨٦.
189

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي