كفؤ له، الذي هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه أحدٌ مِن جميع بريّاتِه.
وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأمينُه على وحيه، وخِيرتُه من بريّته، وسفيرُه بينه وبين عباده، وحجّتُه على خلقِه. أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة١ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا٢. أرسله على حينِ فَترةٍ٣ من الرّسُل، وطُموسٍ٤ من السّبُل، ودُروسٍ٥ من الكتب. والكفرُ قد اضْطَرَمت٦ نارُه، وتطايرَ في الآفاق شرارُه. وقد استوجبَ أهلُ الأرضِ أن يَحِلَّ بهم العقابُ، وقد نظر الجبّارُ ﵎ إليهم فمَقَتَهم عربَهم وعجمَهم إلّا بقايا من أهل الكتاب٧. وقد استند كلُّ قوم إلى ظُلَم آرائِهم، وحكموا على
(١) مبعثه ﷺ من علامات قرب الساعة كما جاء في حديث سهل بن سعد ﵁ قال: قال ﵊: "بُعثت أنا والساعة كهاتين، ويشير بأصبعيه فيمدهما". رواه البخاري ١١/ ٣٤٧ - فتح.
(٥) الدروس: مصدر درس الشيءُ يدرُس، أي عفا وامحى. اللسان ٦/ ٧٩.
(٦) اضطرمت: اشتعلت والتهبت. اللسان ١٢/ ٣٥٤.
(٧) هذا اقتباس من حديث عياض بن حمار ﵁ قال: قال ﷺ: =
اللهِ سبحانه بمقالاتهم الباطلة وأهوائهم. وليلُ الكفرِ مُدْلَهِمٌّ١ ظلامُه، شديدٌ قتامُه٢. وسبيلُ٣ الحقِّ عافيةٌ آثارُه، مطموسةٌ أعلامُه٤. ففلَقَ اللهُ سبحانه بمحمّد ﷺ صبحَ الإيمان، فأضاء حتى ملأ الآفاقَ نورًا، وأطلع به شمسَ الرسالة في حَنادِسِ٥ الظُّلَمِ سراجًا منيرًا، فهدَى٦ به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وبصَّرَ به من العمَى، وأرشدَ به من الغيّ، وكثَّرَ به بعد القلّة، وأعزَّ به بعد الذلّة، وأغنَى به بعد العَيْلة٧، واستنقذ به من الهَلَكة، وفتح به أعيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفا٨.
= " ... وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب". رواه مسلم ١٧/ ٢٠٣، نووي، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها.
(١) المدلهم: الأسود، ادلهم الليل والظلام: كثف سواده، وليلة مدلهمة: مظلمة، وأسود مدلهم: مبالغ به، اللسان ١٢/ ٢٠٦.
(٢) القتام: هو الغبار. اللسان ١٢/ ٤٦١.
(٣) ط: "سبل ... آثارها ... أعلامها".
(٤) أعلامه: جمع العلَم، وهو ما ينصب في الطريق ليهتدى به، القاموس ص ١٤٧٢.
(٥) الحِنْدِس: الظلمة وليل حندس: مظلم، وأسود حندس: شديد السواد، والحنادس: ثلاث ليال من الشهر لظلمتهن. اللسان ٦/ ٥٨.