اللهِ سبحانه بمقالاتهم الباطلة وأهوائهم. وليلُ الكفرِ مُدْلَهِمٌّ١ ظلامُه، شديدٌ قتامُه٢. وسبيلُ٣ الحقِّ عافيةٌ آثارُه، مطموسةٌ أعلامُه٤. ففلَقَ اللهُ سبحانه بمحمّد ﷺ صبحَ الإيمان، فأضاء حتى ملأ الآفاقَ نورًا، وأطلع به شمسَ الرسالة في حَنادِسِ٥ الظُّلَمِ سراجًا منيرًا، فهدَى٦ به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وبصَّرَ به من العمَى، وأرشدَ به من الغيّ، وكثَّرَ به بعد القلّة، وأعزَّ به بعد الذلّة، وأغنَى به بعد العَيْلة٧، واستنقذ به من الهَلَكة، وفتح به أعيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفا٨.
= " ... وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب". رواه مسلم ١٧/ ٢٠٣، نووي، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها.
(١) المدلهم: الأسود، ادلهم الليل والظلام: كثف سواده، وليلة مدلهمة: مظلمة، وأسود مدلهم: مبالغ به، اللسان ١٢/ ٢٠٦.
(٢) القتام: هو الغبار. اللسان ١٢/ ٤٦١.
(٣) ط: "سبل ... آثارها ... أعلامها".
(٤) أعلامه: جمع العلَم، وهو ما ينصب في الطريق ليهتدى به، القاموس ص ١٤٧٢.
(٥) الحِنْدِس: الظلمة وليل حندس: مظلم، وأسود حندس: شديد السواد، والحنادس: ثلاث ليال من الشهر لظلمتهن. اللسان ٦/ ٥٨.
(٨) غُلْفا أي مغلفة، يقال: قلب أغلَف بيّن الغُلفة، كأنه غشي بغلاف فهو لا=
فبلّغَ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصَحَ الأمّة١ وجاهدَ في الله حقَّ جهاده، وعَبَد اللهَ حتى أتاه اليقين من ربّه٢. وشرح الله له٣ صدرَه، ورفع له ذكرَه، ووضع عنه وِزرَه٤، وجعل الذلّةَ والصَّغارَ على من خالف أمرَه٥.
وأقسم بحياته٦ في كتابه المبين. وقرَنَ اسمَه باسمِه، فإذا ذُكِر ذُكِر معه، كما في الخطب والتشهد والتأذين. فلا يصحّ لأحد خطبةٌ ولا تشهدٌ ولا أذانٌ ولا صلاةٌ٧، حتى يشهد أنه عبده ورسوله شهادة اليقين. فصلّى اللهُ وملائكتُه وأنبياؤه ورسلُه وجميعُ خلقِه عليه، كما
(٢) فكان ﷺ مطيعًا لأمر الله تعالى له ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ٩٩﴾[الحجر: ٩٩] واليقين: الموت.
(٣) في ب: وشرح له.
(٤) كما قال تعالى ممتنًّا على رسوله ﷺ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ٣ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ٤﴾[الشرح: ١ - ٤].
(٥) كما قال ﷺ: "جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري". رواه البخاري عن ابن عمر معلقًا ٦/ ٩٨ فتح، كتاب الجهاد باب ٨٨ ما قيل في الرماح، والإمام أحمد ٤/ ٢٩.
(٦) كما قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ٧٢﴾[الحجر: ٧٢] وإقسام الله تعالى به تشريف له ﷺ وتكريم.
(٧) يعني أن الأمور المذكورة لا تصح إلا بالجمع بين الشهادتين، فلا تكفي شهادة التوحيد حتى يقرن بها شهادة الرسالة لمحمد ﷺ.