النونية

فبلّغَ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصَحَ الأمّة١ وجاهدَ في الله حقَّ جهاده، وعَبَد اللهَ حتى أتاه اليقين من ربّه٢. وشرح الله له٣ صدرَه، ورفع له ذكرَه، ووضع عنه وِزرَه٤، وجعل الذلّةَ والصَّغارَ على من خالف أمرَه٥.

وأقسم بحياته٦ في كتابه المبين. وقرَنَ اسمَه باسمِه، فإذا ذُكِر ذُكِر معه، كما في الخطب والتشهد والتأذين. فلا يصحّ لأحد خطبةٌ ولا تشهدٌ ولا أذانٌ ولا صلاةٌ٧، حتى يشهد أنه عبده ورسوله شهادة اليقين. فصلّى اللهُ وملائكتُه وأنبياؤه ورسلُه وجميعُ خلقِه عليه، كما

  1. = يعي شيئًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوُبُنَا غُلْفُ﴾ [البقرة/ ٨٨] اللسان ٩/ ٢٧١.
  2. (١) في ح، ط زيادة: "وكشف الغمة".
  3. (٢) فكان ﷺ مطيعًا لأمر الله تعالى له ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ٩٩﴾ [الحجر: ٩٩] واليقين: الموت.
  4. (٣) في ب: وشرح له.
  5. (٤) كما قال تعالى ممتنًّا على رسوله ﷺ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ٣ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ٤﴾ [الشرح: ١ - ٤].
  6. (٥) كما قال ﷺ: "جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري". رواه البخاري عن ابن عمر معلقًا ٦/ ٩٨ فتح، كتاب الجهاد باب ٨٨ ما قيل في الرماح، والإمام أحمد ٤/ ٢٩.
  7. (٦) كما قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ٧٢﴾ [الحجر: ٧٢] وإقسام الله تعالى به تشريف له ﷺ وتكريم.
  8. (٧) يعني أن الأمور المذكورة لا تصح إلا بالجمع بين الشهادتين، فلا تكفي شهادة التوحيد حتى يقرن بها شهادة الرسالة لمحمد ﷺ.
7

عرّفنا بالله وهدانا إليه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنّ الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه إذا أراد أن يكرم عبده بمعرفته، ويجمع قلبه على محبته، شرح صدره لقبول صفاته العلا، وتلقيها من مِشكاة الوحي١. فإذا ورد عليه شيء منها قابله بالقبول، وتلقّاه بالرضا والتسليم، وأذعن له بالانقياد. فاستنار به قلبه، واتسع له صدره، وامتلأ به سرورًا ومحبة. وعَلِم٢ أنه تعريف من تعريفات الله تعالى، تعرَّفَ به إليه على لسان رسوله، فأنزل تلك الصفة من قلبه منزلةَ الغذاء أعظمَ ما كان إليه فاقة٣، ومنزلةَ الشفاء أشدَّ ما كان إليه حاجة. فاشتدّ بها فرحُه، وعظم بها غناه٤، وقويت بها معرفته، واطمأنّت إليها نفسه، وسكن إليها قلبه. فجال من المعرفة في ميادينها، وأسام٥ عينَ

  1. (١) المشكاة: كل كوة غير نافذة، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] والمشكاة أيضًا قصبة الزجاجة التي يستصبح فيها، وهي موضع الفتيلة. اللسان ١٤/ ٤٤١، القاموس ١٦٧. ومراد المؤلف بالمشكاة نور الوحي من الكتاب والسنة.
  2. (٢) ط: "فعلم".
  3. (٣) الفاقة: الفقر والحاجة.
  4. (٤) في ح، ط: "غناؤه".
  5. (٥) أسام: من سامت الماشية تسوم سومًا: رعت حيث شاءت، وأسامها إذا أخرجها إلى الرعي وخلّاها ترعى. اللسان ١٢/ ٣١١، ومراد المصنف ﵀: أن هذا الناظر أرعى عين بصيرته في هذه الرياض والبساتين حتى استفاد منها واقتبس معرفة وعلمًا.
8

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي