بصيرتِه بين١ رياضها وبساتينها، لِتيقّنه بأنّ شرفَ العلم تابعٌ لِشرفِ معلومِه٢، ولا معلومَ أعظمُ وأجلُّ٣ ممّن هذه صفتُه، وهو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا؛ وأنَّ٤ شرَفه أيضًا بحسب الحاجة إليه، وليست حاجةُ الأرواح قطُّ إلى شيء أعظمَ منها إلى معرفة بارئها٥ وفاطرها، ومحبته، وذكره، والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه، والزلْفى٦ عنده. ولا سبيل إلى هذا إلّا بمعرفةَ أوصافه وأسمائه، فكلّما كان العبد بها أعلَم كان بالله أعرَف، وله أطلَب، وإليه أقرَب. وكلّما كان لها أنكَر كان بالله أجهَل، وإليه أكرَه، ومنه أبعَد. والله تعالى يُنْزِل العبد من نفسه حيث يُنزِله العبدُ من نفسه.
فمن كان لذكر أسمائه وصفاته مبغضًا، وعنها مُعرضًا٧ نافرًا ومنفِّرًا، فالله له أشدُّ بغضًا، وعنه أعظمُ إعراضًا، وله أكبرُ مقتًا، حتى تعود القلوب على٨ قلبين:
(١) في ح، ط: "في رياضها".
(٢) في د، ظ (الحاشية) زيادة بعد (معلومه): "فكلما كان المعلوم أشرف كان العلم به أشرف".
قلبٌ١ ذكرُ الأسماءِ والصفاتِ٢ قوتُه وحياتُه، ونعيمُه وقُرّةُ عينِه، لو فارقه ذكرُها٣ ومحبّتُها ساعةً٤ لاستغاث: يا مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلبي على دينك. فلسان حاله يقول:
يُرادُ مِن القلبِ نسيانُكموتأبَى الطباعُ على الناقل٥
ويقول:
وإذا تقاضيتُ الفؤادَ تناسِيًاألفيتُ أحشائي بذاك شِحاحًا٦
ويقول٧:
إذا مرِضنا تداوَينا بذكركمفنتركُ الذكرَ أحيانًا فننتكِسُ٨
(١) كذا ضبط في الأصل بالضم، ويجوز بالكسر (ص).
(٢) ب، د، ظ: "الصفات والأسماء".
(٣) طع: "ذكرها طرفة عين".
(٤) في ب، د، ظ: "ذكرها ومحبتها لاستغاث". وفي طت: "ومحبتها لحظًا". وفي ح، ف، طه: "لحظة". وفي طع: "لحظات".
(٥) البيت لأبي الطيب المتنبي ومعناه أن قلبي مطبوع على حبكم فلا يستطيع الاستجابة للعاذل. انظر ديوان المتنبي ٢/ ١٧.
(٦) البيت لابن الفارض، وصدره في ديوانه (ص ١٢٥): وإذا دُعيتُ إلى تناسي عهدكم (ص). ومعناه أنّي إذا طلبت من القلب أن ينساك أيها الحبيب أبى ذلك علي أشد الإباء، بل إن حبك قد خالط أحشائي فهي لا تستطيع أن تفارقه.
(٧) في الأصل: "ويقول الآخر".
(٨) البيت لم أقف على قائله، ومعناه أن القلب يمرض ويغطيه الران وتحيط به القسوة فنذكركم فيذهب ما به، فإذا غفلنا عن ذكركم به انتكس القلب ورجع إلى حاله =