النونية

ومن المحال أن يذكر القلب مَن هو محاربٌ لصفاته، نافرٌ من١ سماعها، معرضٌ بكلّيته عنها، زاعمٌ أنّ السلامة في ذلك٢. كلّا والله، إنْ هو إلّا الجهالة والخِذْلان٣، والإعراض عن العزيز الرحيم، فليس القلب الصحيح قطُّ إلى شيء أشوقَ منه إلى معرفة ربه٤ تعالى، وصفاته وأفعاله وأسمائه، ولا أفرحَ بشيء قطُّ كفرحه بذلك. وكفى بالعبد٥ خِذلانًا أن يُضرَبَ على قلبه سُرادِقُ٦ الإعراضِ عنها والنَّفرةِ والتنفيرِ٧، والاشتغالِ بما لو كان حقًّا لم ينفع إلا بعد معرفة الله تعالى والإيمان به وبصفاته وأسمائه.

والقلب الثاني: قلبٌ مضروبٌ بسِياط الجهالة، فهو عن معرفة ربه ومحبّته مصدود، وطريقُ معرفةِ أسمائه وصفاته كما أُنزِلتْ عليه

  1. = الأول من المرض والقسوة، لذلك لا ينبغي أن نغفل عن ذكركم طرفة عين.
  2. (١) في ح: "عن".
  3. (٢) المراد أنه يستحيل أن يكون القلب ذاكرًا لله، وهو منكر لصفاته معرض عنها.
  4. (٣) يقال خذَله وخذَل عنه يخذُله خَذْلا وخِذلانًا: ترك نصرته وعونه، وخِذلان الله العبد أن لا يعصمه من الشبه فيقع فيها، نعوذ بالله من ذلك. اللسان ١١/ ٢٠٢.
  5. (٤) في د: "﵎".
  6. (٥) في ط: "عمى وخذلانًا".
  7. (٦) السرادق بضم السين وكسر الدال: كل ما أحاط بالشيء من حائط أو مضرب أو خباء، والجمع سرادقات. اللسان ١٠/ ١٥٧.
  8. (٧) النفرة: التفرق، ويقال نفر الظبي أي شرد، والتنفير عن الشيء: التشريد والتفريق عنه، اللسان ٥/ ٢٢٥. القاموس ٦٢٤.
11

مسدود، قد١ قَمَشَ شُبَهًا من الكلام الباطل، وارتوَى من ماءٍ آجن٢ غير طائل، تَعُجُّ منه آياتُ الصّفاتِ وأحاديثُها إلى الله عجيجًا٣، وتضِجُّ منه إلى مُنْزِلها٤ ضجيجًا٥، مما يسومها تحريفًا٦ وتعطيلًا٧،

  1. (١) في طع: "وقد". ومعنى القمش: جمع الشيء الردئ الوضيع من ههنا وههنا. اللسان ٦/ ٣٣٨.
  2. (٢) آجن: هو الماء المتغير الطعم واللون. اللسان ١٣/ ٨.
  3. (٣) عجَّ يعُجّ عَجًّا وعَجيجًا: رفع صوته وصاح، وقيده في التهذيب فقال: بالدعاء والاستغاثة. اللسان ٢/ ٣١٨.
  4. (٤) منزلها: بضم الميم وهو الله ﷿.
  5. (٥) ضجَّ: يضِجُّ ضجيجًا إذا فزِع من شيء وغُلب وصاح مستغيثًا. اللسان ٢/ ٣١٢.
  6. (٦) التحريف في اللغة من حرّف الشيء: أماله. وفي الاصطلاح العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره. وهو نوعان: تحريف لفظه وتحريف معناه، والنوعان مأخوذان في الأصل عن اليهود فهم الراسخون فيهما وهم شيوخ المحرفين وسلفهم، فإنهم حرفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة وما غلبوا عن تحريف لفظه حرّفوا معناه. ودرج على آثارهم الرافضة فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، والجهمية فإنهم سلكوا في تحريف النصوص الواردة في الصفات مسالك إخوانهم من اليهود، ولما لم يتمكنوا من تحريف نصوص القرآن حرّفوا معانيه. الصواعق المرسلة لابن القيم ١/ ٢١٥ - ٢١٦.
  7. (٧) التعطيل: مأخوذ من العطل الذي هو الخلو والفراغ والترك، والمراد به هنا نفي الصفات الإلهية وإنكار قيامها بذاته تعالى. والفرق بين التحريف والتعطيل أنّ التعطيل نفي للمعنى الحق الذي دلّ عليه الكتاب والسنة، أما التحريف فهو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها. والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق، فإنّ التعطيل أعمّ مطلقًا من التحريف =
12

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي