وكان مِن قدر الله وقضائه أن جمع مجلسُ المذاكرة بين مُثبتٍ١ للصفات والعلو ومعطّلٍ٢ لذلك، فاستطعم المعطّلُ المثبتَ الحديثَ٣ استطعامَ غيرِ جائعٍ إليه، ولكن غرضه عرض بضاعته عليه، فقال له: ما تقول في القرآن ومسألة الاستواء؟ فقال المثبت: نقول فيهما٤ ما قال٥ ربنا ﵎ وما قاله نبينا محمد٦ﷺ. نصف الله تعالى بما وصف به نفسَه وبما٧ وصفه به رسولُه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه٨ ولا تمثيل٩. بل نثبت له
(١) ذكر الناظم ﵀ في هذا الفصل صورة لمناظرة وقعت بين مثبت للصفات ومعطل لها. وقد بنى منظومته على هذه المناظرة وعرض أقوالهما ومحاكمتهما في النظم. وقد اجتهدت في البحث عنها، ولعلها وقعت لشيخ الإسلام ابن تيمية أو لابن القيم نفسه رحمهما الله. فوقفت على مناظرات عدة ولكن صورها تختلف عن هذه المناظرة. والله أعلم.
(٢) في ط: "وبين معطل".
(٣) "الحديث" سقطت من د، س.
(٤) كذا في ب. وفي سائر النسخ وط: "فيها".
(٥) في ف، ح، ط: "قاله".
(٦) كلمة "محمد" لم ترد إلّا في الأصل وب.
(٧) "بما" سقطت من ب.
(٨) التشبيه: إقامة شيء مقام شيء لصفات جامعة بينهما ذاتية أو معنوية، فالذاتية نحو: هذا الدرهم كهذا الدرهم، وهذا السواد كهذا السواد. والمعنوية نحو: زيد كالأسد أو كالحمار، أي في شدته وبلادته. انظر التوقيف على مهمات التعريف ص ١٧٦، التعريفات للجرجاني ص ٨١.
(٩) التمثيل: إثبات حكم واحد في جزئي لثبوته في جزئي آخر لمعنى مشترك =
﷾ ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وننفي عنه النقائص١ ومشابهة المخلوقات، إثباتًا بلا تمثيل٢ وتنزيهًا٣ بلا
= بينهما. والفقهاء يسمونه قياسًا، والجزء الأول: فرعًا، والثاني: أصلًا، والمشترك؛ علة وجامعًا. انظر: التعريفات ص ٩١، التوقيف ص ٢٠٤، كشاف اصطلاحات الفنون ٦/ ١٣٤٤ - ١٣٤٥. والصحيح أن التشبيه غير التمثيل، لأن التشبيه في اللغة قد يقال بدون تماثل في شيء من الحقيقة، كما يقال للصورة المرسومة في الحائط إنها تشبه الحيوان، وإن كانت الحقيقتان مختلفتين. ولهذا كان أئمة السنة يمنعون أن يقال عن الله: "لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه" لأن مقتضى هذا أن يكون معدومًا. انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/ ٤٧٦ - ٤٧٧، والتدمرية (ضمن مجموع الفتاوى ٣/ ٧٣ - ٧١).
(١) في حاشية ب زيدت بعد "النقائص": "والعيوب".
(٢) لم يكتف المصنف ﵀ بأن قال "إثباتًا بلا تمثيل" بل قدم على ذلك أنه ينفي النقائص والعيوب ومشابهة المخلوقين، وذلك لأن الإثبات بلا تشبيه أو تمثيل لا يكفي في نفي النقائص عن الله تعالى وأنه قد يثبت نقصًا دون تشبيه ولا تمثيل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: معلوم أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف سبحانه من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه كما لو وصفه مفترٍ عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه، وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد ويشرب لا كشربهم ويبكي ويحزن لا كبكائهم وحزنهم كما يقال يضحك لا كضحكهم ويفرح لا كفرحهم ويتكلم لا ككلامهم. أ. هـ التدمرية ص ١٣٦.
(٣) أصل التنزه: رفعة النفس عن الشيء تكرمًا ورغبة عنه، ونزَّه الرجلَ: باعده =