مواقف١ الابتهال، حاسري٢ الرؤوس نسأل٣ الله أن يُنزل بأسَه بأهل البدع والضلال٤. وظنّ المثبتُ واللهِ أن القوم يجيبون٥ إلى هذا، فوطّن٦ نفسه عليه غاية التوطين، وبات يحاسب نفسه ويعرض ما يثبته وينفيه على٧ كلام رب العالمين، وعلى٨ سنة خاتم المرسلين٩، ويتجرد عن كل هوى يخالف الوحي المبين، ويهوي بصاحبه في١٠ أسفل السافلين. فلم يجيبوا إلى ذلك أيضًا، وأتوا من الاعتذار، بما دلّ١١ على أن القوم ليسوا من أولى الأيدي والأبصار.
(١) في طع، طه: "موقف".
(٢) قوله: "حاسري الرؤوس" أي كاشفي الرؤوس.
(٣) في ب: يسأل.
(٤) وهذا الفعل بين الخصوم يسمى "مباهلة" وهي الملاعنة. وصورتها أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة الله على الظالم منّا. اللسان ١١٣/ ٧٢. ومنه قوله تعالى ﷺ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ٦١﴾[آل عمران: ٦١].
(٥) في ط: "يجيبونه".
(٦) وطن نفسه على الشيء وله فتوطنت: حملها عليه فتحملت وذلّت له. اللسان ١٣/ ٤٥١.
(٧) في طع: "عن" وهو خطأ.
(٨) "وعلى" سقطت من ف.
(٩) في ط: "الأنبياء والمرسلين".
(١٠) في ب، ح، ط: إلى.
(١١) في ط: "دله".
فحينئذ شمّر المثبتُ عن ساق عزمه، وعقد لله مجلسًا بينه وبين خصمه. يشهده القريب والبعيد، ويقف على مضمونه الذكيّ والبليد. وجعله عقدَ مجلس التحكيم بين المعطِّل الجاحد والمُثبِت المرمي بالتجسيم.
وقد خاصم في هذا المجلس بالله وحاكمَ إليه، وبرِئَ إلى الله من كل هوى وبدعة وضلالة، وتحيُّزٍ إلى فئةٍ غيرِ رسول الله ﷺ وما كان أصحابه عليه. والله سبحانه المسؤول١ أن لا يكِلَه إلى نفسه ولا إلى شيء مما لديه، وأن يوفقه في جميع حالاته لما يحبه ويرضاه، فإنّ أزِمّةَ الأمور بيدَيه.
وهو يرغب إلى من يقف على هذه الحكومة٢ أن يقومَ لله قيامَ متجرِّدٍ عن هواه، قاصدًا لرضا مولاه؛ ثم يقرأها متفكرًا، ويعيدَها ويبدئَها متدبرًا؛ ثم يحكمَ فيها بما يرضي الله ورسوله وعباده المؤمنين، ولا يقابلَها بالسبِّ والشتم كفعل الجاهلين والمعاندين.
فإن رأى حقًّا قَبله٣ وشكَر عليه، وإن رأى٤ باطلًا ردّه على قائله وأهدى الصواب إليه، فإنّ الحقّ لله ورسولِه، والقصدُ أن تكون كلمةُ
(١) في ح، ط: "هو المسؤول".
(٢) يعني هذه المنظومة المباركة التي بيّن فيها ﵀ آراء أصحاب المذاهب ثم حكم بينهم وردَّ على أهل الباطل باطلَهم بأقوى حجة وأوضح عبارة.