المثل الخامس: مصباح المعطّل قد عصَفت عليه أهوِيةُ التعطيل، فطَفِئَ وما أنار. ومصباحُ المشبّه قد غرِقتْ فتِيلتُه في عَكَر١ التشبيه، فلا يقتبس٢ منه الأنوار. ومصباحُ الموحّد يتوقَّدُ٣ من شجرة مباركة زيتونةٍ لا شرقيّة ولا غربيّة، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسَسْه نار٤.
المثل السادس: قلب المعطِّل متعلّق بالعدَم، فهو أحقرُ الحقير. وقلب المشبِّه عابدُ الصنم٥ الذي قد نُحِتَ بالتصوير والتقدير. والموحّدُ٦ قلبُه متعبّدٌ لمن ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير٧.
المثل السابع: نقودُ المعطّل كلُّها زُيوف٨ فلا تروج علينا. وبضاعةُ
(٧) يشير إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ١١﴾[الشورى: ١١].
(٨) زُيوف: رديئة مغشوشة جمع زَيف. اللسان ٩/ ١٤٢.
المشبِّه١ كاسدةٌ، فلا تَنْفقُ لدينا. وتجارةُ الموحِّد ينادى عليها يومَ العَرْض على رؤوس الأشهاد: هذه بضاعتنا رُدَّت إلينا٢.
المثل الثامن: المعطِّل كنافخ الكِير٣ إما أن يُحرِق ثيابَك، وإمّا أن تجد منه ريحًا خبيثة. والمشبهُ كبائع الخَمر إمّا أن يُسكِرك، وإمّا أن يُنجِّسك. والموحد كبائع المسك إما أن يُحذِيَكَ، وإمّا أن يبيعَك، وإمّا أن تجدَ منه رائحةً طيبة٤.
المثل التاسع: المعطّل قد تخلّف عن سفينة النجاة٥، ولم يركبها، فأدركه الطوفان. والمشبّه قد انكسرت به في اللُّجّة٦، فهو يشاهد الغرَق بالعيَان. والموحّد قد ركِب سفينةَ نوح، وقد صاح به
(١) ب: كلها كاسدة.
(٢) اقتباس من قوله تعالى عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾[يوسف: ٦٥]، ومراد المؤلف ﵀ أن من قدم بين يديه بضاعة صالحة وهي الأعمال الصالحة ردت له يوم القيامة خيرًا مما قدم فيفرح بها على رؤوس الأشهاد.
(٣) الكير: الزق الذي ينفخ فيه الحدّاد، القاموس ٦٠٨.
(٤) يشير إلى ما جاء عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "مثل جليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن نجد منه ريحًا خبيثة" رواه البخاري ٩/ ٦٦٠ - فتح كتاب الذبائح والصيد - باب المسك.
(٥) يعني ﵀ بسفينة النجاة سفينة السنّة، وقد جاء عن كثير من السلف تشبيه السنة واتباعها بسفينة نوح فمن ركبها وانحاز إليها نجا من الأهواء والبدع والضلالات، ومن تخفف عنها غرق في البدع والمخالفات.
(٦) لُجّة البحر: حيث لا يدرك قعره، ولجة الماء: معظمه. اللسان ٢/ ٣٥٤.