= يَظلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾[ق: ٢٩] إذ كيف يمدح نفسه بترك شيء محال عليه أصلًا وليس له اختيار في فعله أو تركه، وكيف ينزه عن شيء لا يعقل؟ قال شيخ الإسلام ﵀ بعدما حكى قول الجهمية المتقدم: "وقال كثير من أهل السنة والحديث والنظار: بل الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ومن ذلك أن يبخس المحسن شيئًا من حسناته أو يحمل عليه من سيئات غيره وهذا من الظلم الذي نزه الله نفسه عنه كقوله تعالى .. " ثم ذكر الأدلة على نفي الظلم عن الله، ثم قال: ومثل هذه النصوص كثيرة ومعلوم أن الله تعالى لم ينف بها الممتنع الذي لا يقبل الوجود كالجمع بين الضدين فإن هذا لم يتوهم أحد وجوده وليس في مجرد نفيه ما يحصل به مقصود الخطاب، فإن المراد بيان عدل الله وأنه لا يظلم أحدًا كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾[الكهف: ٤٩] ثم قال: ومثل هذه النصوص كثيرة وهي تبين أن الظلم الذي نزه الله نفسه عنه ليس هو ما تقوله القدرية ولا ما تقوله الجبرية ومن وافقهم. اهـ. مجموع الفتاوى ٨/ ٥٥٧ - ٥٠٩. وقال ابن القيم ﵀: "والجبرية عندهم لا حقيقة للظلم الذي نزّه الرب نفسه عنه البتة بل هو المحال لذاته، وكل ممكن عندهم فليس بظلم حتى إنه لو عذَّب رسله وأنبياءه وأولياءه أبد الآبدين وأبطل جميع حسناتهم وحملهم أوزار غيرهم وعاقبهم عليها .. لكان ذلك عدلًا محضًا فإنّ الظلم من الأمور الممتنعة لذاتها في حقه وهو غير مقدور له". ثم قال: "وأصحاب هذا القول إنما نزّهوا الله عن المستحيل لذاته الذي لا يتصور وجوده ومعلوم أن هذا التنزيه يشترك فيه كل أحد ولا يمدح به أحد أصلًا". مختصر الصواعق ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣. وانظر البيت ١٥٩٤. ٦٠ - أنكرت الجهمية أن لله تعالى حكمة وقالوا إنه يفعل بلا حكمة، قال شيخ الإسلام بعدما حكى بعض مذهب القدرية: "وكذلك من قابلهم فنفى حكمة=
٦١هَذا وَما تِلْكَ المَشِيئَةُ وصفَهُبَلْ ذَاتُهُ أو فِعْلُهُ قَولَانِ
= الرب الثابتة في خلقه وأمره وما كتب على نفسه من الرحمة وما حرمه على نفسه من الظلم". ثم قال: فإن هذه الأقاويل أصلها مأخوذ من الجهم بن صفوان إمام غلاة المجبرة وكان ينكر رحمة الرب ويخرج إلى الجذمى فيقول: أرحم الراحمين يفعل مثل هذا؟! يريد بذلك أنه ما ثم إلا إرادة رجح بها أحد المتماثلين بلا مرجح لا لحكمة ولا رحمة". مجموع الفتاوى ١١/ ٧٧٧. وقد ردّ الناظم على هذه الشبهة في شفاء العليل ص ٤١٧. ٦١ - الجهم لا يثبت المشيئة وصفًا لله تعالى قائمًا به، بل يجعلها تارة نفس الذات وتارة يفسرها بالفعل، وليس لله تعالى عند الجهم فعل يقوم به وإنما مراده بالفعل المفعول، فهما قولان للجهم في المشيئة: الأول: تفسيرها بالذات، الثاني: تفسيرها بالفعل. وسيأتي تفصيل قول الجهم في أفعال الله تعالى. انظر البيت ١٦٩ وما بعده. ٦٢ - قالت الجهمية: لما كان الكلام غير الذات كان مخلوقًا، وسيأتي إن شاء الله بيان قولهم مفصلًا. انظر البيت ٨٣٧ وما بعده. ٦٣ - هذا قول الجهم في الإيمان، قال البغدادي: "وزعم -أي الجهم- أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط والكفر هو الجهل به فقط". الفرق بين الفرق ص ٢٢١. وقال الشهرستاني في معرض كلامه عن معتقدات الجهم: "ومنها قوله: من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد فهو مؤمن، قال: والإيمان لا يتبعض، أي: لا ينقسم إلى عقد وقول وعمل، قال: ولا يتفاضل أهله فيه فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد، إذ المعارف لا تتفاضل". الملل والنحل ١/ ٧٤. وقال ابن حزم: "فإن جهمًا والأشعري يقولان: إن الإيمان عقد بالقلب فقط، وإن أظهر الكفر والتثليث بلسانه، وعبد الصليب في ديار الإسلام بلا تقية". الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢/ ٢٦٦، وقال الجيلاني عن الجهم: "وكان يقول: الإيمان هو المعرفة بالله ورسوله وجميع ما جاء من عنده فقط"=