= والمعتزلة وغيرهم من فرق الضلال ويقول: هؤلاء جهال ولم يجدوا من يعلمهم، ويُعذَرون بجهلهم، ونحو ذلك، ورأيت أن أفصل هذه المسألة في هذه النقاط: الأولى: المقصود بالجهل: خلو النفس من العلم، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾[النحل: ٧٨]. الثانية: الجهل أمر أصلي ينبغي رفعه حسب الاستطاعة، قال الإمام ابن عبد البر ت ٤٦٣ هـ: "ومن أمكنه التعلم ولم يتعلم أثم" التمهيد لابن عبد البر ٤/ ١٤٠، وقال الإمام القرافي أحمد بن إدريس المالكي ت ٦٨٤ هـ: "القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسائله وأوجب عليهم كافة أن يعلموها ثم يعملوا بها، فالعلم والعمل بها واجبان، فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلًا فقد عصى معصيتين بتركه واجبين" الفروق للقرافي ٤/ ٢٦٤. الثالثة: أن العذر بالجهل له اعتبار في مسألة التكفير بالنسبة لمن يغلب عليه التلبس به كمن أسلم حديثًا ومن نشأ في البادية ونحوها، قال الإمام البخاري ت ٢٥٦ هـ: كل من لم يعرف الله بكلامه أنه غير مخلوق فإنه يعلم ويرد جهله إلى الكتاب والسنة، فمن أبى بعد العلم به كان معاندًا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ١١٥﴾[النساء: ١١٥]، خلق أفعال العباد ص ٦١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ت ٧٢٨ هـ: "من دعا غير الله وحج إلى غير الله فهو مشرك، والذي فعله كفر، لكن قد لا يكون عالمًا بأن هذا شرك محرم كما أن كثيرًا من الناس دخلوا في الإسلام من التتار وغيرهم، وعندهم أصنام لهم وهم يتقربون إليها ويعظمونها، ولا يعلمون أن ذلك محرم في دين الإسلام، ويتقربون إلى النار أيضًا ولا يعلمون أن ذلك محرم، فكثير من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام ولا يعلم أنه شرك" أ. هـ. الرد على الاخنائي ص ٦١ - ٦٢ باختصار يسير. وقال في موضع آخر: "إن تكفير المعين وجواز قتله =
= موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها وإلا فليس كل من جهل شيئًا من الدين يكفر". الرد على البكري ص ٢٥٨. ولعل من أظهر الأدلة في اعتبار الجهل عذرًا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن رجلًا لم يعمل خيرًا قط، فقال لأهله إذا مات فأحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، فلما مات الرجل، فعلوا به كما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، فإذا هو قائم بين يديه، ثم قال: لمَ فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له" أخرجه البخاري ٦/ ٥١٤ ح ٣٤٧٨، فتح كتاب أحاديث الأنبياء، ومسلم ج ١٧/ ٧٠ نووي- كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن هذا الرجل جهل قدرة الله على إعادته ورجا أنه لا يعيده بجهل ما أخبر به من الإعادة، ومع هذا لما كان مؤمنًا بالله وأمره ونهيه ووعده ووعيده، خائفًا من عذابه، وكان جهله بذلك جهلًا لم تقم عليه الحجة التي توجب كفر مثله، غفر الله له، ومثل هذا كثير في المسلمين، والنبي ﷺ كان يخبر بأخبار الأولين ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة" الصفدية ١/ ٢٣٣. الرابعة: عندما نقرر أن للعذر بالجهل اعتبارًا في مسألة التكفير، لا يعني هذا أن الجهل مقبول لكل من ادعاه، بل من الناس من لا يعذر بجهله، قال الإمام الشافعي ت ٢٠٤ هـ: "إن من العلم ما لا يسع بالغًا غير مغلوب على عقله جهله مثل الصلوات الخمس وأن لله على الناس صوم شهر رمضان وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر وما كان في معنى هذا" الرسالة ص ٣٥٧. ومن المعلوم أن العذر بالجهل تتعلق به عدة أمور منها نوعية المسألة المجهولة، كأن تكون من المسائل الخفية، وكذلك حال الجاهل كحديث العهد بالإسلام أو الناشئ في البادية، ومن حيث حال البيئة ففرق بين وجود =