= موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها وإلا فليس كل من جهل شيئًا من الدين يكفر". الرد على البكري ص ٢٥٨. ولعل من أظهر الأدلة في اعتبار الجهل عذرًا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن رجلًا لم يعمل خيرًا قط، فقال لأهله إذا مات فأحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، فلما مات الرجل، فعلوا به كما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، فإذا هو قائم بين يديه، ثم قال: لمَ فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له" أخرجه البخاري ٦/ ٥١٤ ح ٣٤٧٨، فتح كتاب أحاديث الأنبياء، ومسلم ج ١٧/ ٧٠ نووي- كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن هذا الرجل جهل قدرة الله على إعادته ورجا أنه لا يعيده بجهل ما أخبر به من الإعادة، ومع هذا لما كان مؤمنًا بالله وأمره ونهيه ووعده ووعيده، خائفًا من عذابه، وكان جهله بذلك جهلًا لم تقم عليه الحجة التي توجب كفر مثله، غفر الله له، ومثل هذا كثير في المسلمين، والنبي ﷺ كان يخبر بأخبار الأولين ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة" الصفدية ١/ ٢٣٣. الرابعة: عندما نقرر أن للعذر بالجهل اعتبارًا في مسألة التكفير، لا يعني هذا أن الجهل مقبول لكل من ادعاه، بل من الناس من لا يعذر بجهله، قال الإمام الشافعي ت ٢٠٤ هـ: "إن من العلم ما لا يسع بالغًا غير مغلوب على عقله جهله مثل الصلوات الخمس وأن لله على الناس صوم شهر رمضان وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر وما كان في معنى هذا" الرسالة ص ٣٥٧. ومن المعلوم أن العذر بالجهل تتعلق به عدة أمور منها نوعية المسألة المجهولة، كأن تكون من المسائل الخفية، وكذلك حال الجاهل كحديث العهد بالإسلام أو الناشئ في البادية، ومن حيث حال البيئة ففرق بين وجود =
= مظنة العلم أو عدمه. وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ت ١٢٠٦ هـ: "إن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة" مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ٣/ ١١، (فتاوى)، وقال في موضع آخر: "إن الشخص المعين إذا قال ما يوجب الكفر فإنه لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس. وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله، ولا تجعل هذه الكلمة عكازة تدفع بها في نحر من كفر البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات بعد بلوغ الحجة ووضوح المحجة" الدرر السنية ٨/ ٢٤٤. الخامسة: أن العذر بالجهل فيمن وقعوا في الكفر أو الشرك لا يعني نفي الكفر والشرك عنهم وهو ظاهر عليهم، وحكمهم الدنيوي أنهم كفار ومشركون، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أخبر الله تعالى عن هود أنه قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾[هود: ٥٠] فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه لكونهم جعلوا مع الله إلهًا آخر، فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة، فإنه يشرك بربه ويعدل به، ويجعل معه آلهة أخرى، ويجعل له أندادًا قبل الرسول .. وأما التعذيب فلا" مجموع الفتاوى ٢٠/ ٣٧ - ٣٨، وقال ابن القيم ﵀ ت ٧٥١ هـ: "الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله ﷾ لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم" طريق الهجرتين ص ٤١٣. وجاء في فتوى للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية =