قال: سألني سائل عن استماع هذا الذي يسمونه القول، وهو الغناء، والإصغاء إليه ومجالسة أهله، فنهيته عن ذلك، وأنكَرْتُه عليه، وأعلمتُه أن ذلك مما حظره الكتاب، وحرَّمته السنة، وأنكَرَتْهُ العلماء، وتجافاه العقلاء٢، واستحسنه السفهاء والسخفاء.
وزعم السائل أنه لقي جماعةً من الشيوخ ممن٣ يتحلَّى بالعلم ويُنسَب إليه، في جماعة سواهم ممن يُظهِر النسك والتقشف ويدعون إلى الزهد والتعبد، يحضرونه ويستمعون له٤ ويستحسنونه، ويحتجون في ذلك بتحريف القول، ويدعون إليه من أطاعهم، ويستجهلون من خالف جماعتهم.
وإني قد٥ تدبرتُ ما حكاه، وعرفت من أشار إليه، ومن يفعل٦ ذلك ويهواه، فتلك طائفة تسمى في الحقيقة الجبرية٧ لا الصوفية، أهل
(١) ك: "بنفسه". ذكر ابن الجوزي جزءًا منه في "تلبيس إبليس" (ص ٢٣٧).
(٢) ك: "الفضلاء".
(٣) ع، ك: "وممن".
(٤) ع: "إليه".
(٥) "قد" ليست في ك.
(٦) ع: "فعل".
(٧) ع، ك: "الخبزية".
هِمَمٍ دنيئة١، وأخلاق رديئة، وشرائع بدعية، يُظهرون الزهد والتقشف، وهم أهل جهالة وغفلة، وكل أسبابهم ظلمة ووحشة، يدَّعون الشوق [٢٦ أ] والمحبة بإسقاط الخوف والرجاء، يحضرون الغناء ويسمعونه٢ من الأحداث والنساء، يَطرَبون عند استماعهم لذلك ويرقصون، ويتغاشَون ويتماوتون، ويزعمون أن ذلك من شدة حبهم لربهم تعالى، ومن شوقهم إليه، وأنهم يرونه ويشاهدونه، تعالى عما يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا.
وكل هؤلاء فقد كذَّبهم٣ الكتاب والسنة والصحابة والتابعون وصالحو هذه الأمة. فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ١ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ٢ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾[المؤمنون: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾[لقمان: ٦]، قيل: هو الغناء والاستماع إليه، صحت بذلك الأخبار، وقال بذلك العلماء والأخيار، لا يُنكِره إلا السفهاء والفجار. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾[الفرقان: ٧٢] قيل: الغناء. وعن مجاهد قال: ينادي مُنادٍ يومَ القيامة أين الذين كانوا يُنزِّهون أسماعَهم عن اللهو؟ فيُحِلُّهم٤ الله في