هِمَمٍ دنيئة١، وأخلاق رديئة، وشرائع بدعية، يُظهرون الزهد والتقشف، وهم أهل جهالة وغفلة، وكل أسبابهم ظلمة ووحشة، يدَّعون الشوق [٢٦ أ] والمحبة بإسقاط الخوف والرجاء، يحضرون الغناء ويسمعونه٢ من الأحداث والنساء، يَطرَبون عند استماعهم لذلك ويرقصون، ويتغاشَون ويتماوتون، ويزعمون أن ذلك من شدة حبهم لربهم تعالى، ومن شوقهم إليه، وأنهم يرونه ويشاهدونه، تعالى عما يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا.
وكل هؤلاء فقد كذَّبهم٣ الكتاب والسنة والصحابة والتابعون وصالحو هذه الأمة. فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ١ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ٢ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾[المؤمنون: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾[لقمان: ٦]، قيل: هو الغناء والاستماع إليه، صحت بذلك الأخبار، وقال بذلك العلماء والأخيار، لا يُنكِره إلا السفهاء والفجار. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾[الفرقان: ٧٢] قيل: الغناء. وعن مجاهد قال: ينادي مُنادٍ يومَ القيامة أين الذين كانوا يُنزِّهون أسماعَهم عن اللهو؟ فيُحِلُّهم٤ الله في
(١) ك: "أهوية" مكان "همم دنيئة".
(٢) ع، ك: "ويستمعونه".
(٣) ك: "أكذبهم".
(٤) ع، ك: "فيجعلهم".
رياض الجنة١. وعن الشعبي أنه دُعي إلى وليمة، فسمع صوت لهو، فقال: إما أن نُخرِجهم٢ وإما أن نخرج. وعن ابن مسعود أنه دعي إلى وليمة، فسمع صوت لهو فرجع، فلقيه الذي دعاه، فقال: مالكَ رجعتَ؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كثَّر سوادَ قوم فهو منهم، ومن رضي عملَ قوم فهو شريكُ مَن عمله"٣. وقال يزيد بن هارون: التغبير بدعة وضلالة. وقال الشافعي: التغبير٤ أحدثته الزنادقة يصدُّون الناس به٥ عن القرآن. وقال الإمام أحمد: هو بدعة ومُحدَث، ونهى عن استماعه. وقال مالك: إنما يفعله عندنا الفساق. هذا آخر٦ جواب ابن بطة.
فصل
وأما إنكار مشايخ الطريق العارفين بآفاته وسوء تأثيره في القلوب فكثير جدًّا، وكثير [٢٦ ب] ممن حضره منهم تاب منه توبته من الكبائر.
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (٧٢) والآجري في تحريم النرد والشطرنج والملاهي (ص ٢١٧). وانظر "الدر المنثور" (١١/ ٥٨٩).
(٢) ك: "تُخرجهم".
(٣) أخرجه أبو يعلى في مسنده كما في "إتحاف الخيرة المهرة" (٤/ ١٣٥) و"المطالب العالية" (٢/ ٤٢)، وفي إسناده انقطاع. وانظر "نصب الراية" (٤/ ٣٤٦).