وذكر أبو موسى المديني١ أنَّ أبا القاسم النصر ابادي دخل على إسماعيل بن نُجَيد، فقال ابن نجيد: يا أبا القاسم! سمعتُ أنك مُولَع بالسماع، فقال: نعم أيها الشيخ، السماع خير من أن نقعد ونغتاب، فقال له: هيهات! زلَّة تَزِلُّ في السماع أعظم من كذا وكذا سنةً تغتاب.
قال أبو موسى: وذكر نصر بن علي قال: سمعت أبا محمد جعفر ابن محمد الزاهد، يقول: سمعت شيخي يقول: اجتمعتُ ليلةً مع أصحابنا، فابتدأ القوَّال٢ فقاموا ورقصوا وكنت معهم، فنُودِيتُ في سِرِّي: يا هذا ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾[الأنبياء: ٥٥]، فهربتُ وقلت: إنَّ السماع مخاطرة.
قال أبو موسى: وأبنا عبد الكريم بن عبد الرزاق، أبنا أحمد بن الفضل حدثنا أبو العباس النسوي٣، قال: سمعت علي بن مفلح، يقول: سمعت فارسًا٤ البغدادي يقول: قال جنيد٥: خرجتُ ليلةً فلقيني إبليس، فقال: أتعبني واللّهِ أصحابك، قلت: كيف؟ قال: إن عرضتُ عليهم أذكار الدنيا اشتغلوا بأذكار الآخرة، وإن عرضتُ عليهم أذكار
(١) لم أعثر على كتابه الذي نقل عنه المؤلف نصوصًا عديدة.
(٢) ك: "القول".
(٣) ك: "السرمري".
(٤) الأصل، ع: "فارس".
(٥) ع: "الجنيد".
الآخرة اشتغلوا بالذكر لله، إلا أني أستحسنُ منهم خُطَّتين١: السماع والنظر إلى الأحداث.
قال أبو موسى: ثنا الإمام أبو بكر القزاز، حدثنا الخطيب٢، أخبرني عبد الصمد٣ بن محمد، قال: سمعت الحسن بن الحسين، يقول: سمعت أبا الفرج الرستمي الصوفي، يقول: سمعت المحترق البصري، يقول: رأيت إبليس في النوم، فقلت له: كيف رأيتَنا؟ عزفْنا عن الدنيا ولذاتها وأموالها، فليس لك إلينا طريق، فقال: كيف رأيت ما اشتملت به قلوبكم باستماع السماع ومعاشرة الأحداث!
قال أبو موسى: وأنا أبو طاهر [٢٧ أ] محمد بن عبد الغفار الهمذاني قال: سمعت والدي يقول: سمعت أحمد بن الحسن، وهو شيخ الصوفية من المتأخرين، يقول: من قال: إنَّ الاستماع إلى المناهي ــ أو قال٤: الملاهي ــ مباحٌ له فهو إلى مذهب الإباحة أقرب، ولو بلغ العارف إلى٥ ما بلغ من سَنِيِّ أحوالِه، لم يُرخَّص له٦ الالتفات إلى
(١) ك: "خصلتين".
(٢) في "تاريخ بغداد" (١٤/ ٤٢٩). وانظر نحو هذا الخبر في "تلبيس إبليس" (ص ٢٧٦، ٢٧٧).