مسألة السماع

المناهي والملاهي.

قال أبو موسى: قال بعض المشايخ: فإن احتجَّت المباحية بما رُوي عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ في أيام التشريق، وعندي جاريتان لعبد الله بن سلام تضربان بالدفّ وتغنيان١. قلنا لهم: إنَّ رسول الله ﷺ جوَّز ذلك للجاريتين لصغرهما في أيام العيد خاصة، ولهذا قال: "يا أبا بكر! إنَّ لكل قوم عيدًا، وهذه أيام عيدنا".

فإن قيل: أليس قد جوَّزه الشرع في النكاح والختان؟

قلنا: جوّز ذلك لإعلان النكاح، كما روى أبو شعيب الحراني، حدثنا سُريج٢ بن يونس، حدثنا هشيم عن خالد، عن ابن سيرين، أن عمر بن الخطاب كان إذا سمع صوت الدف سأل عنه، فإن قالوا: عُرس أو ختان، سكت٣.

فدل على أنَّ ذلك مرخص في بعض الأحوال دون بعض، وكانت الدفوف في ذلك الوقت كالغرابيل، أما سمعتَ ما روتْ عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "أَعلِنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالغربال"٤.

  1. (١) أخرجه البخاري (٩٤٩) ومسلم (٨٩٢).
  2. (٢) ع: "شريح" تصحيف.
  3. (٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٥) والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٢٩٠).
  4. (٤) أخرجه الترمذي (١٠٨٩) وابن ماجه (١٨٩٥) عن عائشة. وقال الترمذي: هذا حديث غريب حسن، وعيسى بن ميمون يضعف في الحديث، وضعَّفه ابن حجر في الفتح (٩/ ٢٢٦) والتلخيص (٤/ ٢٠١)، وقال البوصيري في الزوائد: "فيه خالد بن إلياس أبو الهيثم العدوي، وهو ضعيف، بل نسبه إلى الوضع ابن حبان والحاكم وأبو سعيد النقاش". وانظر "العلل المتناهية" (٢/ ١٣٨).
45

ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الذين كانوا١ يُنزِّهون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان، أسكِنوهم رياضَ المسك، ثمّ يقول الله ﷿ لملائكته: أَسمِعوهم حمدي وثنائي، وأعلِموهم أنْ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"٢.

فإن قال [٢٧ ب] قائل: فهذا السماع قد حضره جماعة من الأولياء وممن لا يُشَكُّ في علوّ منزلته عند الله، مثل الجنيد وأصحابه، والشبلي وأمثاله، مثل يوسف بن الحسين الرازي، ومن قبله مثل ذي النون المصري وغيرهم، فكيف يسوغ لكم تخطئتُهم والإنكار عليهم؟

فالجواب من وجوه:

أحدها: أن هذا السماع المسؤول عنه على هذا الوجه، قد برَّأ الله منه٣ أولياءه وأعاذهم منه، وحاشاهم أن يكون أحد منهم حضره أو رضيه أو أباحه، وإنما السماع الذي حضره مَن حضره منهم، أن جماعة

  1. (١) "كانوا" ليست في ع.
  2. (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٧٢) والبغوي في الجعديات (١٧٥٨) عن محمد بن المنكدر موقوفًا عليه، وروي عن جابر وأنس مرفوعًا، وهو ضعيف. انظر "الدر المنثور" (١١/ ٥٨٩).
  3. (٣) "منه" ليست في ع.
46

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي