ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الذين كانوا١ يُنزِّهون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان، أسكِنوهم رياضَ المسك، ثمّ يقول الله ﷿ لملائكته: أَسمِعوهم حمدي وثنائي، وأعلِموهم أنْ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"٢.
فإن قال [٢٧ ب] قائل: فهذا السماع قد حضره جماعة من الأولياء وممن لا يُشَكُّ في علوّ منزلته عند الله، مثل الجنيد وأصحابه، والشبلي وأمثاله، مثل يوسف بن الحسين الرازي، ومن قبله مثل ذي النون المصري وغيرهم، فكيف يسوغ لكم تخطئتُهم والإنكار عليهم؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: أن هذا السماع المسؤول عنه على هذا الوجه، قد برَّأ الله منه٣ أولياءه وأعاذهم منه، وحاشاهم أن يكون أحد منهم حضره أو رضيه أو أباحه، وإنما السماع الذي حضره مَن حضره منهم، أن جماعة
(١) "كانوا" ليست في ع.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٧٢) والبغوي في الجعديات (١٧٥٨) عن محمد بن المنكدر موقوفًا عليه، وروي عن جابر وأنس مرفوعًا، وهو ضعيف. انظر "الدر المنثور" (١١/ ٥٨٩).
(٣) "منه" ليست في ع.
كانوا يجتمعون يذكرون الله والدار الآخرة، وأعمالَ القلوب وآفاتِها، ومصححاتِ الأعمال والأحكام والفروق١ والوجد والإرادة، فإذا رقَّت قلوبهم، وتحركت هِمَمُهم، واشتاقت نفوسهم إلى السير، قام حادٍ يحدو أرواحَهم وقلوبهم٢، ليطيب لها السير إلى الله والدار الآخرة، ويُذكِّرها منازلَها الأولى، كما قيل:
وحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنهامنازلُك الأولى وفيها المخيَّمُ
ولكننا سَبْيُ العدوِّ فهل تُرىنعودُ إلى أوطانِنا ونُسلِّم٣
وكما قال الآخر٤:
نَقِّلْ فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوىما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ
كم منزلٍ في الأرضِ يَألفُه الفتىوحنينُه أبدًا لأول منزل
وقال٥ الآخر٦:
(١) ع: "وأحكام الذوق". ك: "وأحكام الفروق".
(٢) ك: "قلوبهم وأرواحهم".
(٣) البيتان للمؤلف من ميميته المشهورة التي نُشِرت ضمن مجموعة "أربح بضاعة". ومنها أبيات في "حادي الأرواح" (ص ١٢ - ١٥، ٦٠٤) و"طريق الهجرتين" (ص ١٠٨ - ١١٥) و"ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٥١ - ٤٥٢).
(٤) "وكما قال الآخر" ليست في ع. والبيتان لأبي تمام في ديوانه (٤/ ٢٥٣). وانظر "الرسالة التبوكية" (ص ٥٨).
(٥) ع، ك: "وقول".
(٦) البيتان في "الزهرة" (١/ ٢٤٥) و"طريق الهجرتين" (ص ٦٧٢) بلا نسبة.