الوجه الرابع من الجواب١: أن الصوفية والمشايخ لم تُجمِعْ على ذلك، بل كثير منهم أو أكثرهم أنكره وعابه وأمر باجتنابه.
قال أبو الحسن علي بن عبد الله بن جهضم في كتاب "بهجة الأسرار"٢: حدثني أبو عبد الله المقرئ، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: قال لي الجنيد: "إذا رأيت المريد يسمع السماع، فاعلم أنَّ فيه بقايا من اللعب.
وقال أبو عبد الله بن باكُوَيه في كتاب حكايات الصوفية: سمعت أحمد بن محمد البردعي٣، يقول: سمعت المرتعش، يقول: سمعت أبا الحسين النوري يقول لبعض أصحابنا: إذا رأيتَ المريد يسمع القصائد ويميل إلى الرفاهية فلا ترجُ خيره.
قال الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي٤: هذا قول مشايخ القوم [٣٠ ب] وإنما ترخص المتأخرون فيه حبًّا للهو، فتعدى شرهم من وجهين:
قال٣: وقد تشبَّث٤ حب السماع بقلوب خلق منهم فآثروه على قراءة القرآن، ورقَّت قلوبهم عنده ما لا تَرِقُّ عند القرآن، وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن، وغلبة طبع، وهم يظنون غير هذا.
ثمّ ساق من تاريخ الخطيب٥ بإسناده إلى أبي نصر٦ السراج، قال: حكى لي بعض إخواني عن أبي الحسين الدراج، قال: قصدتُ يوسف بن الحسين الرازي من بغداد، فلما دخلتُ الريّ سألت عن منزله، فكل من أسأله عنه يقول: أَيشٍ تفعل بذلك الزنديق؟ فضيَّقوا صدري حتى عزمتُ على الانصراف، فبِتُّ تلك الليلةَ في مسجد، ثمّ قلت: جئت هذا البلد فلا أقلَّ من زيارته، فلم أزلْ أسأل عنه حتى دفعتُ
(١) "أنهم" ليست في ع.
(٢) كذا بتكرار المقول في ع، ك. وفي الأصل بدون تكرار.