فيهم رجل واحد يسوغ تقليده في الدين، فإنَّه ليس١ فيهم إمام من أئمة التقوى٢ والعلم الذين يسوغ تقليدهم في الجملة.
وأعلى من حضره قوم لهم صدق وزهد وأحوال مع الله، ولكنهم ليسوا بمعصومين، ولا لهم قول يحكى مع أقوال العلماء الذين دارت الفتوى والحكم على أقوالهم.
وغاية أحدهم أن يكون حضوره له من السعي المغفور، الذي يغفره الله له لصدقه٣ وكثرة حسناته وحسن نيته، فأما أن يتخذ قُدوة وإمامًا فهذا باطل قطعًا، إذ ليس من أهل الاجتهاد ومن له قول بين أهل العلم.
الوجه [٣١ ب] السابع: أنَّه لو فرض أنَّه من أهل الاجتهاد، وممن يسوغ العمل بقوله، فقد خالفه من هو مثله أو أجلُّ منه، والحاكم بين المتنازعين كتاب الله وسنة رسوله، وما كان هو عليه٤ وأصحابه.
فأما أن يُحكَّم ذوقُ أحدٍ٥ وحالُه ووجده، ويُجعلَ إمامًا وقدوة بلا برهان من الله ورسوله، فهذا منشأ الضلال وهو من أكبر أسباب البعد
(١) "ليس" ساقطة من ع.
(٢) ك: "الفتوى".
(٣) ع: "بصدقه".
(٤) ك: "عليه هو".
(٥) ع: "واحد".
من الله ومَقْته، فإنَّ الله لا يُتقرب إليه إلَّا بما يحبه ويرضاه، لا بما يذوقه كل أحد ويستحسنه ويهواه، وكيف يليق بمن يدعي محبة الله وإرادته، أن يتقرب إليه بما لم يشرعه على لسان حبيبه، وبما لا يحبه ويرضاه من القول والعمل والهدى؟ وهل هذا إلَّا عين البعد منه؟
وقد قال غير واحد من السلف١: ادَّعى قومٌ محبةَ الله تعالى، فأنزل الله تعالى٢: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[آل عمران: ٣١]، فلم يقل: فارقصوا وغنُّوا واطربوا على صوت المزامير والشبابات، والألحان المطربات، بالتوقيعات والنغمات، فمن أضلُّ سبيلًا ممن يدَّعي محبة الله، ويزعم أنَّه يتقرب إليه بهذا السماع الشيطاني، الذي هو حظُّ النفس والشيطان.٣
فهل سمعتم قطُّ في سنةٍصحَّت عن المختار أو في كتابْ
أنَّ الغنا والرقص دينٌ كذاصوتُ يَراعٍ أو أخيهِ الرَّبابْ
هذا كتاب الله ما بيننامنزَّهٌ عن باطل وارتيابْ
وهذه السنةُ قد بيَّنتْمرادَه حتى استبان الكتابْ
إن أنتمُ أعفيتُموها٤ من (م)التحريفِ أبصرتم طريقَ الصواب
(١) انظر "تفسير الطبري" (٥/ ٣٢٥)، و"الدر المنثور" (٣/ ٥٠٨).
(٢) بعدها في ع: "آية المحبة".
(٣) بعدها في ع: "قال المصنف"، وليست في الأصل وك، فلم نثبته.