أو كانَ هذا الرقص دينًا لنالكانت الجنة مأوى الدِّبابْ١
الوجه الثامن: أنا نناشدكم الله، هل تدخلون في السماع بالشروط التي شرطها من أباحه ممن قلدتموه؟ فإنهم شرطوا فيه شروطًا مذكورة في كتب القوم.
منها: أن لا يتكلفوا السماع، وقالوا: من تكلفه فُتِن به، ومن صادفه استراح به. فأخبروا أنَّه فتنة لمن اختاره وقصده، وراحة لمن صادفه اتفاقًا، وهذا من أبين شيء على أنَّه [٣٢ ب] ليس بقربة ولا طاعة، لأنَّ قصد الطاعات والقُرَب وإرادتها٢ لا يكون فتنةً، بل لا تصح إلا بذلك.
ومنها: أن يدخله بقلب مملوء بربه، فارغ من شهواته وحظوظه، ذِكرُ الله فيه في محل الخطرات والوساوس، وقد ملك عليه ذكرُ ربه وساوسَه وخطراتِه.
ومنها: أن يقعد بوابًا على باب قلبه، يحرسه من السماع للنفس٣ والشيطان، بل يكون سماعه٤ مجردًا لله ولعبوديته.
ومنها: أن يحفظ قلبه في السماع من طوارق الغفلة عن الله والتفاته إلى سواه.
(١) ع: "الذباب" تصحيف.
(٢) ك: "وأذواقها" بدل "والقرب وإراداتها".
(٣) "للنفس" ليست في ع.
(٤) بعدها في ع: "سماعًا"، وليست في الأصل وك.
ومنها: أن يتلقى ما يَرِد عليه من إشارة السماع، بمطالبة نفسه بحقوق العبودية، من تجريد التوحيد والإنابة إلى الله، وتعليق الهمِّ كله به، ولوم النفس في إيثارها بحظِّها١ على مرضاته ومحابِّه.
ومنها: أن يكون في سماعه هذا لله وبالله ومع الله، ليكون له نصيب وافر من قوله: "فبي يسمع"٢.
ومنها: أن يخلو السماع ممن لا تُؤمن الفتنةُ به، ممن لا يحل سماع صوته والتلذذ بالنظر إليه.
فبهذه الشروط أباح السماعَ من أباحه من القوم وحضره، ثمَّ قال عارف القوم وسيدهم بلا مدافع، الشيخ عبد القادر الكيلاني بعد ذكره آداب السماع: "ولو صدق القوم في قصدهم وتجردهم وتصوفهم، لما انزعجوا في قلوبهم وجوارحهم بغير سماع كتاب الله ﷿، إذ هو كلام محبوبهم وصفته، وفيه ذكره وذكرهم، وذكر الأولين والآخرين، والماضين والغابرين، والمحب والمحبوب، والمريد والمراد، وعتاب المدَّعين لمحبته ولومهم وغير ذلك. فلما اختلَّ قصدهم وصدقهم، وظهرت دعواهم من غير بينة، وزُورُهم وقيامهم [٣٣ أ] مع الرسم
(١) ك: "حظا".
(٢) إشارة إلى الحديث القدسي الذي أخرج البخاري (٦٥٠٢) أصلَه من حديث أبي هريرة دون هذا اللفظ. وقد عزاه شيخ الإسلام في "الفتاوى" (٥/ ٥١١) والمؤلف في "الداء والدواء" (ص ٤٣٠) وغيره إلى البخاري. ولم أجده مسندًا إلا عند الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٢/ ١١٢، ٥/ ١٨٠ - دار النوادر).