وأصحاب الإرادة ثلاثة أنواع: المريدون لله، والمريدون من الله، المريدون لما١ يريد الله، وهؤلاء هم أولياء الله المقربون، وهم أهل الإرادة الصحيحة، فإنهم واقفون مع مراد الله الديني الذي يحبه ويرضاه منهم.
والمريدون من الله واقفون مع حظوظهم وإراداتهم بحسب تفاوتهم فيها، وبحسب هممهم.
والمريدون لله إن لم يتقربوا إليه بمراضيه وما يحبه منهم، وما شرعه لهم على لسان رسوله، وأعلمهم أنهم لا يصلون إليه إلا من طريقه٢، وإلا فهم ممقوتون عنده، مطرودون عن بابه، مُبعَدون٣ عن قربه، ولو كان في قلوبهم من المحبة والشوق والإرادة أمثالُ الجبال [٣٣ ب] لم ينفعهم شيئًا حتى يقفوا٤ مع مراده منهم.
ومن ههنا غَلِطَ القومُ في مسألة السماع، فإنهم رأوا السماع يُثير ساكنَ الحب والوجد من قلوبهم، ويُهيِّج القلب في سفره إلى المحبوب، ويُزعِجه إزعاجًا لا يستقر معه، فيرتاح القلب إلى المقامات العالية، وينافس في القرب من محبوبه، فيُحْدِث فيه أحوالًا عجيبة، ومواجيدَ
(١) في الأصل: "ما". والمثبت من ع، ك.
(٢) ع: "طريقته".
(٣) ك: "مبعودون".
(٤) ك: "يقضوا".
وأذواقًا لا يمكنهم دفعها عن قلوبهم، ولم يروها تُستجلَب بمثل السماع، فلو لامَهم فيه كل لائم لم يُصْغُوا إلى ملامه، وقالوا لمن لامهم:
فهم يعذرون اللُوّام إذ هم محجوبون عما فيه القوم من تلك الأحوال، ولا يلتفتون إلى ملامهم، بل قد يستلذ أحدهم الملامة كما قيل:
أجدُ الملامةَ في هواك لذيذةًحبًّا لذكرك فليَلُمْني اللُّوَّمُ٣
ولا ريب أنهم معذورون، إذ لم يجدوا مَن يخاطبهم بأذواقهم، ويكلمهم على مقتضى أحوالهم، ويشاركهم في وجدهم وشأنهم، فيُناديهم من مكان قريب، وإنما يُبتلَون بجافٍ جلفٍ أبعد شيءٍ عن٤ معاملات القلوب وأحوالها ومنازلاتها، كثيف الطباع، موكل بإنكار ما لم يُحِطْ بعلمه، غليظ الحجاب عن شأن القوم، وما تعلقت به٥ هممهم، فينكر عليهم إنكار مَن لم يذق ما ذاقوه ولا باشر ما باشروه، ولا ذاق من الشراب الذي شربوه، فأعمال القلوب عنده٦ كأنها شريعة
(١) في جميع النسخ: "استطعت". ولا يستقيم به الوزن.
(٢) البيت للشريف الرضي في "ديوانه" (٢/ ٢٧٤)، وبلا نسبة في "مدارج السالكين" (٤/ ٤٣٦).
(٣) البيت لأبي الشيص الخزاعي، وتخريجه في "روضة المحبين" (ص ٣٥، ٣٦).