مسألة السماع

وأذواقًا لا يمكنهم دفعها عن قلوبهم، ولم يروها تُستجلَب بمثل السماع، فلو لامَهم فيه كل لائم لم يُصْغُوا إلى ملامه، وقالوا لمن لامهم:

أقول لِلَّائمِ المُهدِي ملامتَهذُقِ الهوى وإنِ اسْطَعْتَ١ الملامَ لُمِ٢

فهم يعذرون اللُوّام إذ هم محجوبون عما فيه القوم من تلك الأحوال، ولا يلتفتون إلى ملامهم، بل قد يستلذ أحدهم الملامة كما قيل:

أجدُ الملامةَ في هواك لذيذةًحبًّا لذكرك فليَلُمْني اللُّوَّمُ٣

ولا ريب أنهم معذورون، إذ لم يجدوا مَن يخاطبهم بأذواقهم، ويكلمهم على مقتضى أحوالهم، ويشاركهم في وجدهم وشأنهم، فيُناديهم من مكان قريب، وإنما يُبتلَون بجافٍ جلفٍ أبعد شيءٍ عن٤ معاملات القلوب وأحوالها ومنازلاتها، كثيف الطباع، موكل بإنكار ما لم يُحِطْ بعلمه، غليظ الحجاب عن شأن القوم، وما تعلقت به٥ هممهم، فينكر عليهم إنكار مَن لم يذق ما ذاقوه ولا باشر ما باشروه، ولا ذاق من الشراب الذي شربوه، فأعمال القلوب عنده٦ كأنها شريعة

  1. (١) في جميع النسخ: "استطعت". ولا يستقيم به الوزن.
  2. (٢) البيت للشريف الرضي في "ديوانه" (٢/ ٢٧٤)، وبلا نسبة في "مدارج السالكين" (٤/ ٤٣٦).
  3. (٣) البيت لأبي الشيص الخزاعي، وتخريجه في "روضة المحبين" (ص ٣٥، ٣٦).
  4. (٤) ع: "من".
  5. (٥) "به" ليست في ك.
  6. (٦) في الأصل: "عندهم". والمثبت من ع، ك.
67

منسوخة، أو كأنها لم تُشرَع قط، فتولدت المحنة بين قسوة هؤلاء وجمودهم، ومَيعانِ هؤلاء وانحلالهم، فإذا جمعهما مجلس كانا كما قيل:

سارتْ مشرِّقةً وسِرتُ مغرِّبًاشتَّانَ بين مُشرِّقٍ١ ومُغرِّبِ٢

فكل من الطائفتين تنادي الأخرى من مكان بعيد، وصاحب الذوق المحمدي والوجد الإبراهيمي يحكم على الطائفتين، ويوالي من معه حق من الفريقين، وينكر ما يجب إنكاره من الطريقين٣، ويسير إلى الله سبحانه بين حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، ويعلم أن الحقيقة بلا شريعة خيال باطل وسراب، والشريعة بلا حقيقة قِشْر قد جُرِّد٤ من اللباب، وأن الأمر إنما قام بالحقيقة الباطنة وعليها الثواب والعقاب، وبالشريعة الظاهرة وهي مظهر الأمر والنهي والحكم والأسباب، وهي بمنزلة البدن، والحقيقة الإيمانية بمنزلة الروح، والروح لا قِوامَ لها بدون البدن، وبدنٌ لا روحَ فيه من جملة الأموات.

والدين ينتظم٥ الأمرين انتظامًا واحدًا، وله جسد وروح وقلب، فجسده الإسلام، وروحه الإيمان، وقلبه الإحسان، فالإسلام: الشرائع

  1. (١) ك: "شتان ما بين شرق".
  2. (٢) البيت لأبي إسحاق الشيرازي في "طبقات السبكي" (٤/ ٢٢٨).
  3. (٣) ع: "الطريقتين".
  4. (٤) في الأصل: "تجرد". والمثبت من ع، ك.
  5. (٥) ك: "ينظم". ع: "والدين ثالث انتظم".
68

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي