منسوخة، أو كأنها لم تُشرَع قط، فتولدت المحنة بين قسوة هؤلاء وجمودهم، ومَيعانِ هؤلاء وانحلالهم، فإذا جمعهما مجلس كانا كما قيل:
سارتْ مشرِّقةً وسِرتُ مغرِّبًاشتَّانَ بين مُشرِّقٍ١ ومُغرِّبِ٢
فكل من الطائفتين تنادي الأخرى من مكان بعيد، وصاحب الذوق المحمدي والوجد الإبراهيمي يحكم على الطائفتين، ويوالي من معه حق من الفريقين، وينكر ما يجب إنكاره من الطريقين٣، ويسير إلى الله سبحانه بين حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، ويعلم أن الحقيقة بلا شريعة خيال باطل وسراب، والشريعة بلا حقيقة قِشْر قد جُرِّد٤ من اللباب، وأن الأمر إنما قام بالحقيقة الباطنة وعليها الثواب والعقاب، وبالشريعة الظاهرة وهي مظهر الأمر والنهي والحكم والأسباب، وهي بمنزلة البدن، والحقيقة الإيمانية بمنزلة الروح، والروح لا قِوامَ لها بدون البدن، وبدنٌ لا روحَ فيه من جملة الأموات.
(٢) البيت لأبي إسحاق الشيرازي في "طبقات السبكي" (٤/ ٢٢٨).
(٣) ع: "الطريقتين".
(٤) في الأصل: "تجرد". والمثبت من ع، ك.
(٥) ك: "ينظم". ع: "والدين ثالث انتظم".
الظاهرة العاصمة للدم والمال، والإيمان: الحقائق الباطنة المُنجِية من النار، والإحسان: المقامات العالية التي ينال١ بها الدرجاتِ العلى، والقربَ من الله سبحانه، والدخولَ في زمرة المقربين من عباده.
ولا ريب أن المحبين رُفِع لهم لواءٌ فشمَّروا إليه، وخفي ذلك اللواء عمن أعرض عن هذا الشأن واشتغل بغيره، ولكن سلك كثير منهم إليه على غير دَرْبِ٢ الإيمان والإحسان، فبعُدوا من مطلوبهم على قدر انحرافهم، فالصادقون من أرباب السماع شمَّروا إلى علم المحبة، ورأوا أن السماع من الأسباب التي يُتوصَّل بها إلى ظهور الكوامن الباطنة من محبة الله، والشوق إليه، والارتياح إلى قربه ولقائه، وتوابع ذلك من الحزن على التقصير والتفريط في طاعته في٣ الأيام الخالية، والندمِ والأسفِ على ما فَرَطَ من العبد من أسباب عَتْبِ الله عليه، وإبعادِه إيَّاه، والخوف [٣٤ ب] من طرده عن بابه، ووقوع الحجاب بينه وبين ربه، ورأوا٤ حاديًا يحدو بالأرواح إلى بلاد الأفراح، فيطيب لها السيرُ، فإذا حدا لها الحادي جدَّتْ في السير على ظهور عَزَمَاتها، لا تَلْوِي على أهل ولا مال، كما قيل٥:
(١) ك: "نال".
(٢) ك: "ذوق".
(٣) ع: "والتفريط في إضاعة".
(٤) ع: "ورأوه".
(٥) الأبيات لإدريس بن أبي حفصة، كما في "ديوان المعاني" (١/ ٦٣). وتخريجها في "روضة المحبين" (ص ١١٣).