يجد من الحال في السماع ما لا يجده في الصلاة ولا عند قراءة١ القرآن، وكل هذا من براطيل النفس [٣٦ ب] والشيطان ليتم لهما مرادهما٢، فلما ذاقت النفوس في السماع هذا الذوق، ووجدت فيه هذا الوجد، تمكن حبُّه منها، وبلغ كلَّ مبلغ، فأسرَها وملكَها.
فشيطان السماع كامنٌ لها، يجمع قوته للوثوب، فلما عرف أنَّ السماع قد تمكن منها، وتغلغل في أجزائها، وثب عليها وثبةَ الأسد على فريسته، واصطادها فيه أتم صيد، فوالله لو كُشِف الغطاء لبصيرة عبدٍ منورةٍ بنور الإيمان، لرأى أهله بين قتيل وصريع، وجريح وأسير، وهذه أحوالهم وشطحاتهم وكلماتهم تُنبِئك عما حلَّ بهم، فصادقُهم يبكي٣ على صوت الشبابة والدفّ والشعر الذي لعله٤ قيل٥ في محرم، يُسخِط الله طول ليله، ويَرِقّ ويتواجد ويهيم، وتُقرأ عليه الختمة من أولها إلى آخرها، والقلب من هذه الأحوال مُجدِب، والعين من البكاء قحطة. فيا للعقول! أي دليلٍ أبين من هذا؟ أو أي برهان أظهر منه على أن اكتساب القلب للنفاق من هذا السماع أقرب من اكتسابه لحقائق٦
(١) "قراءة" ليست في ك.
(٢) ع: "لها مرادها".
(٣) ك: "فصادفهم بكا".
(٤) "لعله" ليست في ع.
(٥) "قيل" ليست في ك.
(٦) ع، ك: "بحقائق".
الإيمان؟
ومن ههنا يُعرف مقادير السلف، وفضل معرفتهم، وأنهم في أوج الحقائق الإيمانية، وهؤلاء في حضيضها، إذ يقول عبد الله بن مسعود ﵁: "الغناء يُنبِت النفاقَ في القلب كما يُنبِت الماء البقلَ"١. صح ذلك عنه. فأين هذا الكلام من كلام من يقول: سماع الغناء أنفع للمريد من سماع القرآن من ستة أوجه أو سبعة؟ ولا ريب أنَّ هذا القائل أخبر عن ذوقه وذوق هذا المريد، وأنَّه من سماع الغناء لا من سماع القرآن.
فإذا كانت هذه مفسدة هذا السماع الخاص الذي يحضره الخواص، فما الظن بسماع العوام؟ نعم سماعهم خير من هذا، وأسلمُ عاقبةً، وأخفُّ ذنبًا، فإنَّهم يَعدُّون٢[٣٧ أ] أنفسهم فيه عصاة لاعبين، ويعترفون بأنَّه ذنب تنبغي التوبة منه، كما قيل:
(٣) هذا مركب من بيتين: وأشربها وأزعمها حرامًا ... وأرجو عفوَ ربٍّ ذي امتنانِ ويشربها ويزعمها حلالًا ... وتلك على المسيئ خطيئتانِ وهما للمأمون في "المحب والمحبوب" (٤/ ٣١٦) و"قطب السرور" (ص ٤٩٤)، ولبعض شعراء المئة الثالثة في "فتح الباري" (١٠/ ٦٦).